قلت أما إضافة الأشياء كلها إلى الله تعالى في قوله: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فعلى الحقيقة لأن الله تعالى وهو خالقها وموجدها، وأما إضافة السيئة إلى فعل العبد فعلى المجاز تقديره: وما أصابك من سيئة فمن الله بذنب نفسك عقوبة لك.
وقيل السيئة إلى فعل العبد على سبيل الأدب فهو كقوله تعالى: (وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) فأضاف المرض إلى نفسه على طريق الأدب، ولا يشك عاقل أن الممرض هو الله تعالى.
وقيل هذه متصلة بما قبلها وفيه إضمار وتقديم وتأخير تقديره: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ويقولون ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قل كل من عند الله.
وقال ابن الأنباري في معنى الآية: ما أصابك الله به من حسنة وما أصابك به من سيئة فالفعلان راجعان إلى الله تعالى.
(وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ...(81)
وإنما خص طائفة من المنافقين بالتبييت في قوله (منهم) ، وكلمة (مِن) للتبعيض لأنه تعالى علم أن منهم من يبقى على كفره ونفاقه ومنهم من يرجع عنه ويتوب فخص من يصر على النفاق والذكر، وقيل إن طائفة منهم اجتمعوا في الليل وبيتوا ذلك القول فخصهم بالذكر.
(دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً(96)
«فإنْ قلتَ» : قد ذكر الله عز وجل في الآية الأولى درجة واحدة وذكر في هذه الآية درجات فما وجه الحكمة في ذلك؟
قلت: أما الدرجة الأولى فلتفضيل المجاهدين على القاعدين بوجود الضرر والعذر. وأما الثانية فلتفضيل المجاهدين على القاعدين من غير ضرر ولا عذر فضلوا عليهم بدرجات كثيرة، وقيل يحتمل أن تكون الدرجة الأولى درجة المدح والتعظيم، والدرجات درجات الجنة ومنازلها كما في الحديث والله أعلم.