ونفهم أن تأتي"لا"فِي سياق النفي فتؤكده.
واما أن تأتي لتؤكد الإثبات ، فذلك ما يبدو غريباً حقاً على المنطق اللغوي والحس البياني. إذ القسم للتوثيق ، وهو أقوى من التأكيد ، ولا يسوغ ، فِي الأصول أو المنطق ، أن تؤكد التوثيق بنفيه. والنفي نقيضُه التأكيد ، فإذا نفيت
القسَم انتقض بنفيك إياه. والجمعُ بينهما أوْلى بأن يُسقطهما كليهما ، على القاعدة الأصولية فِي الدليلين يتعارضان فيتساقطان.
أفلا يهيدنا تدبر سياق آيات"لا أقسم"لله تعالى وحده ، إلى سر البيان فِي"لا"تنفي حاجته ، جل جلاله ، إلى القسم ؟.
بلى ، وإنما نحتاج نحن البشر إلى أن نقسم ، دفعاً لمظنة اتهام أو إزاحةً لشكَّ. ومن ثم نلمح سر العربية إذ تستعمل هذا الأسلوب ، حيث تنتفي الحاجة إلى القسم ، فِي مواضع الثقة واليقين.
وفرقً بعيد أقصى البعد ، بين أن تكون"لا"لنفي القسم ، كما قال بعضهم. وبين أن تكون لنفي الحاجة إلى القسم ، كما يهدي إليه البيان القرآني. ومن نفي الحاجة إلى القسم ، يأتي التوثيق والتقرير. لأنه يجعل المقام فِي غنى بالثقة واليقين عن الإقسام.
والسر البياني لهذا الأسلوب ، يعتمد فِي قوة اللفت ، على ما يبدو بين النفي والقسم من مفارقة مثيرة لأقصى الانتباه. وما نزال بسليقتنا اللغوية نؤكد الثقة بنفي الحاجة معها إلى القسم ، فتقول لمن تثق فيه: لا تقسم ، أو: من غير يمين.
مقررأ بذلك أنه موضع ثقتك فلست بحاجة إلى أن يقسم لك. كما تقول لصاحبك: لا أوصيك بكذا ، تأكيداً للتوصية بنفي الحاجة إليها.
وإذ اكتفى بهذا القدر ككا اجتليت من أسرار الإعجاز فِي البيان القرآني ، أرجو ألا يُظن بي أنني أجحد جهود السلف الصالح فِي خدمة كتاب الإسلام ومحاولاتهم فِي فهم إعجازه. فالحق أن عطاءهم السخي كان لنا على تتابع الأجيال ذخيرة ومدداً.