وبعذ هذا كله ، نرد إلى القرآن ما تنازعوا فيه. فنستبعد بادئ ذي بدء أن تكون"لا"فِي آيات القسم ، رداً على كلام سبق فِي سورة أخرى ، لأن هذا فضلاً عما سبق من رد أبي حيان ، يقتضي القراءة على وجوب الفصل بين: لا ، أقسم ، لكمال الانقطاع ، وكل القراءات فيها على الوصل. وتنظيرهم بقوله تعالى: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} رداً على ما حكى القرآن من قولهم فِي سورة الحِجْر: {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} ؛
يرد عليه أن سورة القلم ، ثانية السور فِي ترتيب النزول على المشهور ، وسورة الحجر ، ترتيبها فِي النزول الرابعة والخمسون!
وتأويل"لا أقسم"بأنها"لأقسم"أشبعت فتحة اللام فيها فتولدت عنها ألف ، إذا لم يبعده رد"الزمخشري"فقد يبعده معه أن هذا الإشباع موضع إلباس ب-: لا النافية. ولا إلباس فِي قراءة"أفئيدة".
ثم نتدبر آيات القسم فِي الكتاب المحكم ، فيهدينا إلى اطراد مجيء آيات"لا أقسم"وضمير المتكلم فيها ، لله تعالى:
الواقعة 75: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}
الحاقة 38: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}
المعارج 40: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ} .
القيامة 1: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} .
التكوير 15: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}