وآيتا الأعلى:
{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى}
والليل: {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى}
ليست صيغة"الأعلى"معدولاً إليها فيهما عن العلىَّ لمجرد رعاية الفاصلة.
ولا أَريدَ بها المفاضلة بين أعلى وعال ، على ما وهم بعضهم خضوعاً لأحكام اللغويين فِي صيغ التفضيل ودلالتها ؟ وقد جَرَّ هذا الوهم إلى ما أشار إليه"افخر الرازي"من تعلق الملاحدة فِي"ربه الأعلى"من اقتضاء أن يكون هناك رب آخر مفضولاً فِي العلو ، على ما يقضى به منطق التفضيل عندهم وقواعده.
وذلك من عُقم الحسَّ فِي من يغيب عنه السر البياني فِي إطلاق مثل صيغة الأعلى - والعليا - دون قصد إلى مفاضلة أو ترتيب ، وإنما القصد إلى المضي بالعلو إلى نهايته القصوى بغير حدود ولا قيود.
وهو نفس الملحظ الدلالي لصيغ: الحسنى ، واليسرى ، والعسرى ، والأشقى ، والأتقى ، فِي سورة"الليل"دالة على غاية الحسن واليسر والتقوى ، وأقصى العسر والشقاء الذي ما بعده من شقاء.
ومثلها صيغة الأكرم فِي آية العَلَق:
{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}
لم يعدل فيها عن الكريم إلى الأكرم ، لمجرد رعاية الفاصلة ، ولا قُصد بها المفاضلة بين أكرم وكريم ، على ما تأوله مفسرون ، وساقوا وجوهاً عدة لأكرميته تعالى.
واستقراء آياتها ، يشهد بأن صيغتى الأفعل والفعلى ، تفيدان الإطلاق إلى أقصى المدى ، بغير حد أو قيد مفاضلة.
إنما تتعين المفاضلة بذكر المفضول ، مضافاً إليه أو مجروراً بحرف من ، فِي مثل: أكثر الناس ، أكثركم ، أكبر من أختها ، والفتنة أشد من القتل ، ولا أقل من ذلك ولا أكثر ...
ووجه التفضيل فِي مثل قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} أنه فِي سياق الحديث عن مكر المخلوقين: ثمود فِي آية (النمل 50) والكافرين من بني إسرائيل