{وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}
قال {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} فزعم أَهل التأويل انه فِي معنى:"سَفَّهَ نفسَه"وقال يونس:"أُراها لُغَة". ويجوز فِي هذا القول:"سِفِهْتُ زَيْداً"، وهو يشبه"غِبَنَ رأيَه"و"خَسِرَ نَفْسَه"الا ان هذا كثير ، ولهذا معنى ليس لذاك. تقول:"غِبَنَ فيَ رأيِهِ"و"خَسِرَ فِي أَهْلِهِ"و"خَسِرَ فِي بيعِه". وقد جاء لهذا نظير ، قال:"ضُرِبَ عبدُ اللّهِ الظهرَ والبَطْنَ"ومعناه: على الظهر والبطن"كما قالوا:"دَخَلْتُ البيتَ"وإنما هو"دَخَلْتُ فِي البيتِ". وقوله:"تَوَجَّهَ مَكَّةَ [65ء] والكُوفَةَ"وإنما هو: إلى مَكَّة والكُوفَةِ. ومما يشبه هذا قول الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد السادس والخمسون] :"
نُغالِي اللَّحْمَ لِلأَضْيافِ نِيْئاً * وَنَبْذُلُهُ إذا نَضِجَ القُدورُ
يريد: نُغالى باللحم. ومثل هذا {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ} يقول:"لأوْلادِكمُ" [و] {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ} أي: عَلَى عُقْدَةِ النِكاحِ. وأحسن [من] ذلك أن تقول:"إنَّ سَفِهَ نَفْسَهُ"جرت مجرى"سَفُهَ"إذْ كان الفعل غير متعد ، وإنما عداه إلى"نَفْسِه"و"رَأيِهِ"وأشباهُ ذا مِمّا هو فِي المعنى نحو"سَفِهَ"إذا لم يتعد. وأما"غَبِنَ"و"خَسِرَ"فقد يتعدى* إلى غيره تقول:"غَبِنَ خَمْسين"و"خَسِرَ خَمْسِين".
{وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ}