فهرس الكتاب

الصفحة 948 من 4314

قوله تعالى:"و ما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء - إلى قوله - والمستضعفين من الولدان"تقدم أن ظاهر السياق أن حكم يتامى النساء والمستضعفين من الولدان أنما تعرض له لاتصاله بحكم النساء كما وقع في آيات صدر السورة لا لكونه داخلا فيما استفتوا عنه وإنهم إنما استفتوا في النساء فحسب.

ولازمه أن يكون قوله"و ما يتلى عليكم"، معطوفا على الضمير المجرور في قوله"فيهن"على ما جوزه الفراء وإن منع عنه جمهور النحاة ، وعلى هذا يكون المراد من قوله"ما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء"إلخ الأحكام والمعاني التي تتضمنها الآيات النازلة في يتامى النساء والولدان ، المودعة في أول السورة.

والتلاوة كما يطلق على اللفظ يطلق على المعنى إذا كان تحت اللفظ ، والمعنى: قل الله يفتيكم في الأحكام التي تتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء.

وربما يظهر من بعضهم أنه يعطف قوله"و ما يتلى عليكم"، على موضع قوله"فيهن"بعناية أن المراد بالإفتاء هو التبيين ، والمعنى: قل الله يبين لكم ما يتلى عليكم في الكتاب.

وربما ذكروا للكلام تراكيب أخر لا تخلو عن تعسف لا يرتكب في كلامه تعالى مثله كقول بعضهم: إن قوله"و ما يتلى عليكم"معطوف على موضع اسم الجلالة في قوله"قل الله"، أو على ضمير المستكن في قوله"يفتيكم"، وقول بعضهم: إنه معطوف على"النساء"في قوله"في النساء"، وقول بعضهم: إن الواو في قوله"و ما يتلى عليكم في الكتاب"للاستيناف ، والجملة مستأنفة ، وما يتلى عليكم"مبتدأ خبره قوله"في الكتاب" والكلام مسوق للتعظيم ، وقول بعضهم إن الواو في قوله"و ما يتلى عليكم"للقسم ويكون قوله في يتامى النساء" بدلا من قوله"فيهن"والمعنى: قل الله يفتيكم - أقسم بما يتلى عليكم في الكتاب - في يتامى النساء إلخ ولا يخفى ما في جميع هذه الوجوه من التعسف الظاهر.

وأما قوله"اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن"فوصف ليتامى النساء ، وفيه إشارة إلى نوع حرمانهن ، الذي هو السبب لتشريع ما شرع الله تعالى لهن من الأحكام فألغى السنة الجائرة الجارية عليهن ، ورفع الحرج بذلك عنهن ، وذلك أنهم كانوا يأخذون إليهم يتامى النساء وأموالهن فإن كانت ذات جمال وحسن تزوجوا بها فاستمتعوا من جمالها ومالها ، وإن كانت شوهاء دميمة لم يتزوجوا بها وعضلوها عن التزوج بالغير طمعا في مالها.

ومن هنا يظهر أولا.

أن المراد بقوله"ما كتب لهن"هو الكتابة التكوينية وهو التقدير الإلهي فإن الصنع والإيجاد هو الذي يخد للإنسان سبيل الحياة فيعين له أن يتزوج إذا بلغ مبلغه ، وأن يتصرف حرا في ماله من المال والقنية ، فمنعه من الازدواج والتصرف في مال نفسه منع له مما كتب الله له في خلقه هذه الخلقة.

وثانيا: أن الجار المحذوف في قوله"أن تنكحوهن"هو لفظة"عن"والمراد الراغبة عن نكاحهن ، والإعراض عنهن لا الرغبة في نكاحهن فإن التعرض لذكر الرغبة عنهن هو الأنسب للإشارة إلى حرمانهن على ما يدل عليه قوله قبله"لا تؤتونهن ما كتب لهن"، وقوله بعده"و المستضعفين من الولدان".

وأما قوله"و المستضعفين من الولدان"فمعطوف على قوله"يتامى النساء"وقد كانوا يستضعفون الولدان من اليتامى ، ويحرمونهم من الإرث معتذرين بأنهم لا يركبون الخيل ، ولا يدفعون عن الحريم.

قوله تعالى:"و أن تقوموا لليتامى بالقسط"معطوف على محل قوله"فيهن"والمعنى: قل الله يفتيكم أن تقوموا لليتامى بالقسط ، وهذا بمنزلة الإضراب عن الحكم الخاص إلى ما هو أعم منه أعني الانتقال من حكم بعض يتامى النساء والولدان إلى حكم مطلق اليتيم في ماله وغير ماله.

قوله تعالى:"و ما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما"تذكرة لهم بأن ما عزم الله عليهم في النساء وفي اليتامى من الأحكام فيه خيرهم ، وأن الله عليم به لتكون ترغيبا لهم في العمل به لأن خيرهم فيه ، وتحذيرا عن مخالفته لأن الله عليم بما يعملون.

قوله تعالى:"و إن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا"، حكم خارج عما استفتوا فيه لكنه متصل به بالمناسبة نظير الحكم المذكور في الآية التالية"و لن تستطيعوا أن تعدلوا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت