فهرس الكتاب

الصفحة 949 من 4314

و إنما اعتبر خوف النشوز والإعراض دون نفس تحققهما لأن الصلح يتحقق موضوعه من حين تحقق العلائم والآثار المعقبة للخوف ، والسياق يدل على أن المراد بالصلح هو الصلح بغض المرأة عن بعض حقوقها في الزوجية أو جميعها لجلب الأنس والألفة والموافقة ، والتحفظ عن وقوع المفارقة ، والصلح خير.

وقوله ، وأحضرت الأنفس الشح"الشح هو البخل ، معناه: أن الشح من الغرائز النفسانية التي جبلها الله عليها لتحفظ به منافعها ، وتصونها عن الضيعة ، فما لكل نفس من الشح هو حاضر عندها ، فالمرأة تبخل بما لها من الحقوق في الزوجية كالكسوة والنفقة والفراش والوقاع ، والرجل يبخل بالموافقة والميل إذا أحب المفارقة ، وكره المعاشرة ، ولا جناح عليهما حينئذ أن يصلحا ما بينهما بإغماض أحدهما أو كليهما عن بعض حقوقه."

ثم قال تعالى:"و إن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا"وهو موعظة للرجال أن لا يتعدوا طريق الإحسان والتقوى وليتذكروا أن الله خبير بما يعملونه ، ولا يحيفوا في المعاشرة ، ولا يكرهوهن على إلغاء حقوقهن الحقة وإن كان لهن ذلك.

قوله تعالى:"و لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"بيان الحكم العدل بين النساء الذي شرع لهن على الرجال في قوله تعالى في أول السورة"و إن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة": النساء: 3 وكذا يومىء إليه قوله في الآية السابقة"و إن تحسنوا وتتقوا"إلخ فإنه لا يخلو من شوب تهديد ، وهو يوجب الحيرة في تشخيص حقيقة العدل بينهن ، والعدل هو الوسط بين الإفراط والتفريط ، ومن الصعب المستصعب تشخيصه ، وخاصة من حيث تعلق القلوب تعلق الحب بهن فإن الحب القلبي مما لا يتطرق إليه الاختيار دائما.

فبين تعالى أن العدل بين النساء بحقيقة معناه ، وهو اتخاذ حاق الوسط حقيقة مما لا يستطاع للإنسان ولو حرص عليه ، وإنما الذي يجب على الرجل أن لا يميل كل الميل إلى أحد الطرفين وخاصة طرف التفريط فيذر المرأة كالمعلقة لا هي ذات زوج فتستفيد من زوجها ، ولا هي أرملة فتتزوج أو تذهب لشأنها.

فالواجب على الرجل من العدل بين النساء أن يسوي بينهن عملا بإيتائهن حقوقهن من غير تطرف ، والمندوب عليه أن يحسن إليهن ولا يظهر الكراهة لمعاشرتهن ولا يسيء إليهن خلقا ، وكذا كانت سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وهذا الذيل أعني قوله"فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة"هو الدليل على أن ليس المراد بقوله"و لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"نفى مطلق العدل حتى ينتج بانضمامه إلى قوله تعالى"و إن خفتم ألا تعدلوا فواحدة"الآية إلغاء تعدد الأزواج في الإسلام كما قيل.

وذلك أن الذيل يدل على أن المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي من غير تطرف أصلا بلزوم حاق الوسط حقيقة ، وأن المشرع هو العدل التقريبي عملا من غير تحرج.

على أن السنة النبوية ورواج الأمر بمرأى ومسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والسيرة المتصلة بين المسلمين يدفع هذا التوهم.

على أن صرف قوله تعالى في أول آية تعدد الأزواج"فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع": النساء: 3 إلى مجرد الفرض العقلي الخالي عن المصداق ليس إلا تعمية يجل عنها كلامه سبحانه.

ثم قوله"و إن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما"تأكيد وترغيب للرجال في الإصلاح عند بروز أمارات الكراهة والخلاف ببيان أنه من التقوى ، والتقوى يستتبع المغفرة والرحمة ، وهذا بعد قوله"و الصلح خير"، وقوله"و إن تحسنوا وتتقوا"، تأكيد على تأكيد.

قوله تعالى:"و إن يتفرقا يغن الله كلا من سعته"، أي وإن تفرق الرجل والمرأة بطلاق يغن الله كلا منهما بسعته ، والإغناء بقرينة المقام إغناء في جميع ما يتعلق بالازدواج من الايتلاف والاستيناس والمس وكسوة الزوجة ونفقتها فإن الله لم يخلق أحد هذين الزوجين للآخر حتى لو تفرقا لم يوجد للواحد منهما زوج مدى حياته بل هذه السنة سنة فطرية فاشية بين أفراد هذا النوع يميل إليها كل فرد بحسب فطرته.

وقوله"و كان الله واسعا حكيما ولله ما في السموات وما في الأرض"تعليل للحكم المذكور في قوله"يغن الله كلا من سعته".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت