فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 4314

و هؤلاء الجماهير في مشارق الأرض ومغاربها تربو نفوسهم بالرجال والنساء والذراري يومئذ على الملائين بعد الملائين ولا يشك ذو لب أن من المتعذر اجتماعهم في صعيد واحد فالأسباب العادية تأبى ذلك بجميع أركانها ، ولازم ذلك أن يندب القرآن الناس إلى المحال ، وينيط ظهور حجته ، وتبين الحق الذي يدعيه على ما لا يكون البتة ، وكان ذلك عذرا ونعم العذر للنصارى في عدم إجابتهم دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المباهلة ، وكان ذلك أضر لدعواه منه لدعواهم.

أم هو اجتماع الحاضرين من الفريقين ومن في حكمهم أعني المؤمنين من أهل المدينة وما والاها ، وأهل نجران ومن والاهم ، وهذا وإن كان أقل وأخف شناعة من الوجه السابق لكنه من حيث استحالة التحقق وامتناع الوقوع كسابقه فمن الذي كان يسعه يومئذ أن يجمع أهل المدينة ونجران قاطبة حتى النساء والذراري منهم في صعيد للملاعنة ، وهل هذه الدعوة إلا تعليقا بالمحال ، واعترافا بأن الحق متعذر الظهور.

أم هو اجتماع المتلبسين بالخصام والجدال من الفريقين أعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والحاضرين عنده من المؤمنين ، ووفد نجران من النصارى ، ويرد عليه حينئذ ما أورده بقوله:"ثم إن وفد نجران الذين قالوا: إن الآية نزلت فيهم لم يكن معهم نساؤهم وأولادهم ، وكان ذلك وقوعا فيما ذكره من المحذور".

ومنها: قوله: أما كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى (عليه السلام) فحسبنا في بيانه قوله تعالى: من بعد ما جاءك من العلم فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلا اليقين.

أقول: أما كون العلم فيها بمعنى اليقين فهو حق وأما كون الآية دالة على كون المؤمنين على يقين من أمر عيسى (عليه السلام) فليت شعري من أين له إثبات ذلك؟ والآية غير متعرضة بلفظها فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك"الخ"إلا لشأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومقام التخاطب أيضا لا يشمل غيره (صلى الله عليه وآله وسلم) من المؤمنين فإن الوفد من النصارى ما كان لهم هم إلا المحاجة والخصام مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يكن لهم هوى في لقاء المؤمنين ، ولا كلموهم بكلمة ، ولا كلمهم المؤمنون بكلمة.

نعم لو دلت الآية على حصول العلم لأحد غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لدل فيمن جيء به للمباهلة على ما استفدناه من قوله تعالى: على الكاذبين فيما تقدم.

بل القرآن يدل على عدم عموم العلم واليقين لجميع المؤمنين حيث يقول تعالى:"و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف - 106 ، فوصفهم بالشرك وكيف يجتمع الشرك مع اليقين ، ويقول تعالى:"و إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا": الأحزاب - 12 ، ويقول تعالى:"و يقول الذين آمنوا لو لا نزلت سورة ، فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ، فأولى لهم طاعة وقول معروف ، فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم - إلى أن قال -: أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم": محمد - 23 ، فاليقين لا يتحقق به إلا بعض أولي البصيرة من متبعي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال تعالى:"فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن": آل عمران - 20 ، وقال تعالى:"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني": يوسف - 108.

ومنها: قوله وفي قوله ندع أبناءنا وأبناءكم"الخ"وجهان: أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر الخ قد عرفت فساد وجهه الأول وعدم انطباقه على لفظ الآية إذ قد عرفت أن الغرض كان مستوفى حاصلا لو قيل: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ، وإنما زيد عليه قوله: ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ، ليدل على لزوم إحضار كل من الفريقين عند المباهلة أعز الأشياء عنده وأحبها إليه وهو الأبناء والنساء والأنفس الأهل والخاصة ، وهذا إنما يتم لو كان معنى الآية: ندعو نحن أبناءنا ونساءنا وأنفسنا وتدعون أنتم أبناءكم ونساءكم وأنفسكم ، ثم نبتهل ، وأما لو كان المعنى ندعو نحن أبناءكم ونساءكم وأنفسكم وتدعون أنتم أبناءنا ونساءنا وأنفسنا ثم نبتهل بطل الغرض المذكور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت