فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 4314

و من هنا يظهر: أن الكلام أعني تفهيم ما في الضمير بالأصوات المؤتلفة الدالة عليه بالوضع والاعتبار إنما يتم في الإنسان وهو واقع في ظرف الاجتماع ، وربما لحق به بعض أنواع الحيوان مما لنوعه نحو اجتماع وله شيء من جنس الصوت ، على ما نحسب وأما الإنسان في غير ظرف الاجتماع التعاوني فلا تحقق للكلام معه ، فلو كان ثم إنسان واحد من غير أي اجتماع فرض لم تمس الحاجة إلى التكلم قطعا لعدم مساس الحاجة إلى التفهيم والتفهم ، وكذلك غير الإنسان مما لا يحتاج في وجوده إلى التعاون الاجتماعي والحياة المدنية كالملك والشيطان مثلا.

فالكلام لا يصدر منه تعالى على حد ما يصدر الكلام منا أعني بنحو خروج الصوت من الحنجرة واعتماده على مقاطع النفس من الفم المنضمة إليه ، الدلالة الاعتبارية الوضعية ، فإنه تعالى أجل شأنا وأنزه ساحة أن يتجهز بالتجهيزات الجسمانية ، أو يستكمل بالدعاوي الوهمية الاعتبارية وقد قال تعالى:"ليس كمثله شيء:"الشورى - 11.

لكنه سبحانه فيما مر من قوله:"و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب:"الشورى - 51 ، يثبت لشأنه وفعله المذكور حقيقة التكليم وإن نفي عنه المعنى العادي المعهود بين الناس ، فالكلام بحده الاعتباري المعهود مسلوب عن الكلام الإلهي لكنه بخواصه وآثاره ثابت له ، ومع بقاء الأثر والغاية يبقى المحدود في الأمور الاعتبارية الدائرة في اجتماع الإنسان نظير الذرع والميزان والمكيال والسراج والسلاح ونحو ذلك ، وقد تقدم بيانه.

فقد: ظهر أن ما يكشف به الله سبحانه عن معنى مقصود إفهامه للنبي كلام حقيقة ، وهو سبحانه وإن بين لنا إجمالا أنه كلام حقيقة على غير الصفة التي نعدها من الكلام الذي نستعمله ، لكنه تعالى لم يبين لنا ولا نحن تنبهنا من كلامه أن هذا الذي يسميه كلاما يكلم به أنبياءه ما حقيقته؟ وكيف يتحقق؟ غير أنه على أي حال لا يسلب عنه خواص الكلام المعهود عندنا ويثبت عليه آثاره وهي تفهيم المعاني المقصودة وإلقاؤها في ذهن السامع.

وعلى هذا فالكلام منه تعالى كالإحياء والإماتة والرزق والهداية والتوبة وغيرها فعل من أفعاله تعالى يحتاج في تحققه إلى تمامية الذات قبله لا كمثل العلم والقدرة والحياة مما لا تمام للذات الواجبة بدونه من الصفات التي هي عين الذات ، كيف ولا فرق بينه وبين سائر أفعاله التي تصدر عنه بعد فرض تمام الذات! وربما قبل الانطباق على الزمان قال تعالى:"و لما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني:"الأعراف - 143 ، وقال تعالى"و قد خلقتك من قبل ولم تك شيئا:"مريم - 9 ، وقال تعالى:"فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم:"البقرة - 243 ، وقال تعالى:"نحن نرزقكم وإياهم:"الأنعام - 151 ، وقال تعالى:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه - 50 ، وقال تعالى:"ثم تاب عليهم ليتوبوا:"التوبة - 118 ، فالآيات كما ترى تفيد زمانية الكلام كما تفيد زمانية غيره من الأفعال كالخلق والإماتة والإحياء والرزق والهداية والتوبة على حد سواء.

فهذا هو الذي يعطيه التدبر في كلامه تعالى ، والبحث التفسيري المقصور على الآيات القرآنية في معنى الكلام ، أما ما يقتضيه البحث الكلامي على ما اشتغل به السلف من المتكلمين أو البحث الفلسفي فسيأتيك نبأه.

واعلم: أن الكلام أو التكليم مما لم يستعلمه تعالى في غير مورد الإنسان ، نعم الكلمة أو الكلمات قد استعملت في غير مورده ، قال تعالى:"و كلمته ألقاها إلى مريم:"النساء - 171 ، أريد به نفس الإنسان ، وقال تعالى:"و كلمة الله هي العليا": التوبة - 40 ، وقال تعالى:"و تمت كلمة ربك صدقا وعدلا": الأنعام - 155 ، وقال تعالى:"ما نفدت كلمات الله:"لقمان - 27 ، وقد أريد بها القضاء أو نوع من الخلق على ما سيجيء الإشارة إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت