و ما قيل: إن الأسلوب يقتضي كون المراد به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن السياق في بيان العبرة للأمم التي تقتتل بعد رسلهم مع كون دينهم دينا واحدا ، والموجود منهم اليهود والنصارى والمسلمون فالمناسب تخصيص رسلهم بالذكر ، وقد ذكر منهم موسى وعيسى بالتفصيل في الآية ، فتعين أن يكون البعض الباقي محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فيه: أن القرآن يقضي بكون جميع الرسل رسلا إلى جميع الناس ، قال تعالى:"لا نفرق بين أحد منهم:"البقرة - 136 ، فإتيان الرسل جميعا بالآيات البينات كان ينبغي أن يقطع دابر الفساد والقتال بين الذين بعدهم لكن اختلفوا بغيا بينهم فكان ذلك أصلا يتفرع عليه القتال فأمر الله تعالى به حين تقتضيه المصلحة ليحق الحق بكلماته ويقطع دابر المبطلين ، فالعموم وجيه في الآية.
كلام في الكلام
ثم إن قوله تعالى: منهم من كلم الله ، يدل على وقوع التكليم منه لبعض الناس في الجملة أي أنه يدل على وقوع أمر حقيقي من غير مجاز وتمثيل وقد سماه الله في كتابه بالكلام ، سواء كان هذا الإطلاق إطلاقا حقيقيا أو إطلاقا مجازيا ، فالبحث في المقام من جهتين: الجهة الأولى: أن كلامه تعالى يدل على أن ما خص الله تعالى به أنبياءه ورسله من النعم التي تخفى على إدراك غيرهم من الناس مثل الوحي والتكليم ونزول الروح والملائكة ومشاهدة الآيات الإلهية الكبرى ، أو أخبرهم به كالملك والشيطان واللوح والقلم وسائر الآيات الخفية على حواس الناس ، كل ذلك أمور حقيقية واقعية من غير مجاز في دعاويهم مثل أن يسموا القوى العقلية الداعية إلى الخير ملائكة ، وما تلقيه هذه القوى إلى إدراك الإنسان بالوحي ، والمرتبة العالية من هذه القوى وهي التي تترشح منها الأفكار الطاهرة المصلحة للاجتماع الإنساني بروح القدس والروح الأمين ، والقوى الشهوية والغضبية النفسانية الداعية إلى الشر والفساد بالشياطين والجن ، والأفكار الرديئة المفسدة للاجتماع الصالح أو الموقعة لسيىء العمل بالوسوسة والنزعة ، وهكذا.
فإن الآيات القرآنية وكذا ما نقل إلينا من بيانات الأنبياء الماضين ظاهرة في كونهم لم يريدوا بها المجاز والتمثيل ، بحيث لا يشك فيه إلا مكابر متعسف ولا كلام لنا معه ، ولو جاز حمل هذه البيانات إلى أمثال هذه التجوزات جاز تأويل جميع ما أخبروا به من الحقائق الإلهية من غير استثناء إلى المادية المحضة النافية لكل ما وراء المادة ، وقد مر بعض الكلام في المقام في بحث الإعجاز.
ففي مورد التكليم الإلهي لا محالة أمر حقيقي متحقق يترتب عليه من الآثار ما يترتب على التكلمات الموجودة فيما بيننا.
توضيح ذلك: أنه سبحانه عبر عن بعض أفعاله بالكلام والتكليم كقوله تعالى:"و كلم الله موسى تكليما": النساء - 163 ، وقوله تعالى:"منهم من كلم الله الآية ، وقد فسر تعالى هذا الإطلاق المبهم الذي في هاتين الآيتين وما يشبههما بقوله تعالى:"و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء:"الشورى - 51 ، فإن الاستثناء في قوله تعالى: إلا وحيا"إلخ"، لا يتم إلا إذا كان التكليم المدلول عليه بقوله: أن يكلمه الله ، تكليما حقيقة ، فتكليم الله تعالى للبشر تكليم لكن بنحو خاص ، فحد أصل التكليم حقيقة غير منفي عنه."
والذي عندنا من حقيقة الكلام: هو أن الإنسان لمكان احتياجه إلى الاجتماع والمدنية يحتاج بالفطرة إلى جميع ما يحتاج إليه هذا الاجتماع التعاوني ، ومنها التكلم وقد ألجأت الفطرة الإنسان أن يسلك إلى الدلالة على الضمير من طريق الصوت المعتمد على مخارج الحروف من الفم ، ويجعل الأصوات المؤلفة والمختلطة أمارات دالة على المعاني المكنونة في الضمير التي لا طريق إليها إلا من جهة العلائم الاعتبارية الوضعية ، فالإنسان محتاج إلى التكلم من جهة أنه لا طريق له إلى التفهيم والتفهم إلا جعل الألفاظ والأصوات المؤتلفة علائم جعلية وأمارات وضعية ، ولذلك كانت اللغات في وسعتها دائرة مدار الاحتياجات الموجودة ، أعني: الاحتياجات التي تنبه لها الإنسان في حياته الحاضرة ، ولذلك أيضا كانت اللغات لا تزال تزيد وتتسع بحسب تقدم الاجتماع في صراطه ، وتكثر الحوائج الإنسانية في حياته الاجتماعية.