فهرس الكتاب

الصفحة 3533 من 4314

فالظاهر أن المراد بتسبيحه نداؤه في الظلمات بقوله:"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"وقد قدم التهليل ليكون كالعلة المبينة لتسبيحه كأنه يقول: لا معبود بالحق يتوجه إليه غيرك فأنت منزه مما كان يشعر به فعلى أني آبق منك معرض عن عبوديتك متوجه إلى سواك إني كنت ظالما لنفسي في فعلي فها أنا متوجه إليك متبرىء مما كان يشعر به فعلى من التوجه عنك إلى غيرك.

فهذا معنى تسبيحه ولو لا ذلك منه لم ينج أبدا إذ كان سبب نجاته منحصرا في التسبيح والتنزيه بالمعنى الذي ذكر.

وبذلك يظهر أن المراد بقوله:"للبث في بطنه إلى يوم يبعثون"تأبيد مكثه في بطنه إلى أن يبعث فيخرج منه كالقبر الذي يقبر فيه الإنسان ويلبث فيه حتى يبعث فيخرج منه قال تعالى:"منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى:"طه: - 55.

ولا دلالة في الآية على كونه (عليه السلام) على تقدير اللبث حيا في بطن الحوت إلى يوم يبعثون أو ميتا وبطنه قبره مع بقاء بدنه وبقاء جسد الحوت على حالهما أو بنحو آخر فلا مساغ لاختلافهم في كونه (عليه السلام) حيا على هذا التقدير أو ميتا وبطنه قبره ، وأن المراد بيوم يبعثون النفخة الأولى التي فيها يموت الخلائق أو النفخة الثانية أو التأجيل بيوم القيامة كناية عن طول اللبث.

قوله تعالى:"فنبذناه بالعراء وهو سقيم"النبذ طرح الشيء والرمي به ، والعراء المكان الذي لا سترة فيه يستظل بها من سقف أو خباء أو شجر.

والمعنى على ما يعطيه السياق أنه صار من المسبحين فأخرجناه من بطن الحوت وطرحناه خارج الماء في أرض لا ظل فيها يستظل به وهو سقيم.

قوله تعالى:"و أنبتنا عليه شجرة من يقطين"اليقطين من نوع القرع ويكون ورقه عريضا مستديرا وقد أنبتها الله عليه ليستظل بورقها.

قوله تعالى:"و أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون"أو في مورد الترقي وتفيد معنى بل ، والمراد بهذه الجماعة أهل نينوى.

قوله تعالى:"فآمنوا فمتعناهم إلى حين"أي آمنوا به فلم نعذبهم ولم نهلكهم بما أشرف عليهم من العذاب فمتعناهم بالحياة والبقاء إلى أجلهم المقدر لهم.

والآية في إشعارها برفع العذاب عنهم وتمتيعهم تشير إلى قوله تعالى:"فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين:"يونس: - 98.

ولا يخلو السياق من إشعار - بل دلالة - على أن المراد من إرساله في قوله:"و أرسلناه"أمره بالذهاب ثانيا إلى القوم ، وبإيمانهم في قوله:"فآمنوا"إلخ إيمانهم بتصديقه واتباعه بعد ما آمنوا وتابوا حين رأوا العذاب.

ومن هنا يظهر ضعف ما استدل بعضهم بالآيتين أن إرساله إلى القوم كان بعد خروجه من بطن الحوت وأنه أمر أولا بالذهاب إلى أهل نينوى ودعوتهم إلى الله وكانوا يعبدون الأصنام فاستعظم الأمر وخرج من بيته يسير في الأرض لعل الله يصرف عنه هذا التكليف وركب البحر فابتلاه الله بالحوت ثم لما نبذ بالعراء كلف ثانيا فأجاب وأطاع ودعاهم فاستجابوا فدفع الله عذابا كان يهددهم إن لم يؤمنوا.

وذلك أن السياق كما سمعت يدل على كون إرساله بأمر ثان وأن إيمانهم كان إيمانا ثانيا بعد الإيمان والتوبة وأن تمتيعهم إلى حين كان مترتبا على إيمانهم به لا على كشف العذاب عنهم فلم يكن الله سبحانه ليتركهم لو لم يؤمنوا برسوله ثانيا كما آمنوا به وتابوا إليه أولا في غيبته فافهم ذلك.

على أن قوله تعالى:"و ذا النون إذ ذهب مغاضبا:"الأنبياء: - 87 وقوله:"و لا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم:"ن: - 48 لا يلائم ما ذكروه ، وكذا قوله:"إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا:"يونس: - 98 إذ لا يطلق الكشف إلا في عذاب واقع حال أو مشرف.

كلام في قصة يونس (عليه السلام)

في فصول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت