فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 4314

و يظهر به أيضا فساد قول بعضهم: إن كان في الآية منسلخ عن الدلالة على الزمان كما في قوله تعالى:"و كان الله عزيزا حكيما:"الفتح - 7 ، فهو دال على الثبوت ، والمعنى: أن الناس أمة واحدة من حيث كونهم مدنيين طبعا فإن الإنسان مدني بالطبع لا يتم حياة الفرد الواحد منه وحده ، لكثرة حوائجه الوجودية ، واتساع دائرة لوازم حياته ، بحيث لا يتم له الكمال إلا بالاجتماع والتعاون بين الأفراد والمبادلة في المساعي ، فيأخذ كل من نتائج عمله ما يستحقه من هذه النتيجة ويعطي الباقي غيره ، ويأخذ بدله بقية ما يحتاج إليه ويستحقه في وجوده ، فهذا حال الإنسان لا يستغني عن الاجتماع والتعاون وقتا من الأوقات ، يدل عليه ما وصل إلينا من تاريخ هذا النوع الاجتماعي المدني وكونه اجتماعيا مدنيا لم يزل على ذلك فهو مقتضى فطرته وخلقته غير أن ذلك يؤدي إلى الاختلاف ، واختلال نظام الاجتماع ، فشرع الله سبحانه بعنايته البالغة شرائع ترفع هذا الاختلاف ، وبلغها إليهم ببعث النبيين مبشرين ومنذرين ، وإنزال الكتاب الحاكم معهم للحكم في موارد الاختلاف.

فمحصل المعنى أن الناس أمة واحدة مدنية بالطبع لا غنى لهم عن الاجتماع وهو يوجب الاختلاف فلذلك بعث الله الأنبياء وأنزل الكتاب.

ويرد عليه أولا: أنه أخذ المدنية طبعا أوليا للإنسان ، والاجتماع والاشتراك في الحياة لازما ذاتيا لهذا النوع ، وقد عرفت فيما مر أن الأمر ليس كذلك ، بل أمر تصالحي اضطراري ، وأن القرآن أيضا يدل على خلافه.

وثانيا: أن تفريع بعث الأنبياء وإنزال الكتب على مجرد كون الإنسان مدنيا بالطبع غير مستقيم إلا بعد تقييد هذه المدنية بالطبع بكونها مؤدية إلى الاختلاف ، وظهور الفساد ، فيحتاج الكلام إلى التقدير وهو خلاف الظاهر ، والقائل مع ذلك لا يرضى بتقدير الاختلاف في الكلام.

وثالثا: أنه مبني على أخذ الاختلاف الذي تذكره الآية وتتعرض به اختلافا واحدا ، والآية كالنص في كون الاختلاف اختلافين اثنين ، حيث تقول: وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، فهو اختلاف سابق على الكتاب والمختلفون بهذا الاختلاف هم الناس ، ثم تقول وما اختلف فيه أي في الكتاب إلا الذين أوتوه أي علموا الكتاب وحملوه بغيا بينهم ، وهذا الاختلاف لاحق بالكتاب متأخر عن نزوله ، والمختلفون بهذا الاختلاف علماء الكتاب وحملته دون جميع الناس ، فأحد الاختلافين غير الآخر: أحدهما اختلاف عن بغي وعلم ، والآخر بخلافه.

قوله تعالى: فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين"إلخ"، عبر تعالى بالبعث دون الإرسال وما في معناه لأن هذه الوحدة المخبر عنها من حال الإنسان الأولي حال خمود وسكوت ، وهو يناسب البعث الذي هو الإقامة عن نوم أو قطون ونحو ذلك ، وهذه النكتة لعلها هي الموجبة للتعبير عن هؤلاء المبعوثين بالنبيين دون أن يعبر بالمرسلين أو الرسل ، على أن البعث وإنزال الكتاب كما تقدم بيانه حقيقتهما بيان الحق للناس وتنبيههم بحقيقة أمر وجودهم وحياتهم ، وإنبائهم أنهم مخلوقون لربهم ، وهو الله الذي لا إله إلا هو ، وأنهم سالكون كادحون إلى الله مبعوثون ليوم عظيم ، واقفون في منزل من منازل السير ، لا حقيقة له إلا اللعب والغرور ، فيجب أن يراعوا ذلك في هذه الحياة وأفعالها ، وأن يجعلوا نصب أعينهم أنهم من أين ، وفي أين ، وإلى أين ، وهذا المعنى أنسب بلفظ النبي الذي معناه: من استقر عنده النبأ دون الرسول ، ولذلك عبر بالنبيين ، وفي إسناد بعث النبيين إلى الله سبحانه دلالة على عصمة الأنبياء في تلقيهم الوحي وتبليغهم الرسالة إلى الناس وسيجيء زيادة توضيح لهذا في آخر البيان ، وأما التبشير والإنذار أي الوعد برحمة الله من رضوانه والجنة لمن آمن واتقى ، والوعيد بعذاب الله سبحانه من سخطه والنار لمن كذب وعصى فهما أمس مراتب الدعوة بحال الإنسان المتوسط الحال ، وإن كان بعض الصالحين من عباده وأوليائه لا تتعلق نفوسهم بغير ربهم من ثواب أو عقاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت