و هذا هو الذي يساعد عليه الاعتبار ، فإنا نشاهد النوع الإنساني لا يزال يرقى في العلم والفكر ، ويتقدم في طريق المعرفة والثقافة ، عاما بعد عام ، وجيلا بعد جيل ، وبذلك يستحكم أركان اجتماعه يوما بعد يوم ، ويقوم على رفع دقائق الاحتياج ، والمقاومة قبال مزاحمات الطبيعة ، والاستفادة من مزايا الحياة ، وكلما رجعنا في ذلك القهقرى وجدناه أقل عرفانا برموز الحياة ، وأسرار الطبيعة ، وينتهي بنا هذا السلوك إلى الإنسان الأولي الذي لا يوجد عنده إلا النزر القليل من المعرفة بشئون الحياة وحدود العيش ، كأنهم ليس عندهم إلا البديهيات ويسير من النظريات الفكرية التي تهيىء لهم وسائل البقاء بأبسط ما يكون ، كالتغذي بالنبات أو شيء من الصيد والإيواء إلى الكهوف والدفاع بالحجارة والأخشاب ونحو ذلك ، فهذا حال الإنسان في أقدم عهوده ، ومن المعلوم أن قوما حالهم هذا الحال لا يظهر فيهم الاختلاف ظهورا يعتد به ، ولا يبدو فيهم الفساد بدوا مؤثرا ، كالقطيع من الغنم لا هم لأفراده إلا الاهتداء لبعض ما اهتدى إليه بعض آخر ، والتجمع في المسكن والمعلف والمشرب.
غير أن الإنسان لوجود قريحة الاستخدام فيه كما أشرنا إليه فيما مر لا يحبسه هذا الاجتماع القهري من حيث التعاون على رفع البعض حوائج البعض عن الاختلاف والتغالب والتغلب ، وهو كل يوم يزداد علما وقوة على طرق الاستفادة ، ويتنبه بمزايا جديدة ، ويتيقظ لطرق دقيقة في الانتفاع ، وفيهم الأقوياء وأولوا السطوة وأرباب القدرة ، وفيهم الضعفاء ومن في رتبتهم ، وهو منشأ ظهور الاختلاف ، الاختلاف الفطري الذي دعت إليه قريحة الاستخدام ، كما دعت هذه القريحة بعينها إلى الاجتماع والمدنية.
ولا ضير في تزاحم حكمين فطريين ، إذا كان فوقهما ثالث يحكم بينهما ، ويعدل أمرهما ، ويصلح شأنهما ، وذلك كالإنسان تتسابق قواه في أفعالها ، ويؤدي ذلك إلى التزاحم ، كما أن جاذبة التغذي تقضي بأكل ما لا تطيق هضمه الهاضمة ولا تسعه المعدة ، وهناك عقل يعدل بينهما ، ويقضي لكل بما يناسبه ، ويقدر فعل كل واحدة من هذه القوى الفعالة بما لا يزاحم الأخرى في فعلها.
والتنافي بين حكمين فطريين فما نحن فيه من هذا القبيل ، فسلوك فطرة الإنسان إلى المدنية ثم سلوكها إلى الاختلاف يؤديان إلى التنافي ، ولكن الله يرفع التنافي برفع الاختلاف الموجود ببعث الأنبياء بالتبشير والإنذار ، وإنزال الكتاب الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
وبهذا البيان يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن المراد بالآية أن الناس كانوا أمة واحدة على الهداية ، لأن الاختلاف إنما ظهر بعد نزول الكتاب بغيا بينهم ، والبغي من حملة الكتاب ، وقد غفل هذا القائل عن أن الآية تثبت اختلافين اثنين لا اختلافا واحدا ، وقد مر بيانه ، وعن أن الناس لو كانوا على الهداية فإنها واحدة من غير اختلاف ، فما هو الموجب بل ما هو المجوز لبعث الأنبياء وإنزال الكتاب وحملهم على البغي بالاختلاف ، وإشاعة الفساد ، وإثارة غرائز الكفر والفجور ومهلكات الأخلاق مع استبطانها؟.
ويظهر به أيضا: فساد ما ذكره آخرون أن المراد بها أن الناس كانوا أمة واحدة على الضلالة ، إذ لولاها لم يكن وجه لترتب قوله تعالى: فبعث الله النبيين"إلخ"، وقد غفل هذا القائل عن أن الله سبحانه يذكر أن هذا الضلال الذي ذكره وهو الذي أشار إليه بقوله سبحانه: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، إنما نشأ عن سوء سريرة حملة الكتاب وعلماء الدين بعد نزول الكتاب ، وبيان آياته للناس ، فلو كانوا على الضلالة قبل البعث والإنزال وهي ضلالة الكفر والنفاق والفجور والمعاصي فما المصحح لنسبة ذلك إلى حملة الكتاب وعلماء الدين؟.
ويظهر به أيضا ما في قول آخرين إن المراد بالناس بنو إسرائيل حيث إن الله يذكر أنهم اختلفوا في الكتاب بغيا بينهم ، قال تعالى:"فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم:"الجاثية - 16 ، وذلك أنه تفسير من غير دليل ، ومجرد اتصاف قوم بصفة لا يوجب انحصارها فيهم.
وأفسد من ذلك قول من قال: إن المراد بالناس في الآية هو آدم (عليه السلام) ، والمعنى أن آدم (عليه السلام) كان أمة واحدة على الهداية ثم اختلف ذريته ، فبعث الله النبيين"إلخ"، والآية بجملها لا تطابق هذا القول لا كله ولا بعضه.