و قد قيل في معنى ذلك أن الله يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم فيبدل الكفر إيمانا والقتل بغير حق جهادا وقتلا بالحق والزنا عفة وإحصانا.
وقيل: المراد بالسيئات والحسنات ملكاتهما لا نفسهما فيبدل ملكة السيئة ملكة الحسنة.
وقيل: المراد بهما العقاب والثواب عليهما لا نفسهما فيبدل عقاب القتل والزنا مثلا ثواب القتل بالحق والإحصان.
وأنت خبير بأن هذه الوجوه من صرف الكلام عن ظاهره بغير دليل يدل عليه.
والذي يفيد ظاهر قوله:"يبدل الله سيئاتهم حسنات"وقد ذيله بقوله:"و كان الله غفورا رحيما"أن كل سيئة منهم نفسها تتبدل حسنة ، وليست السيئة هي متن الفعل الصادر من فاعله وهو حركات خاصة مشتركة بين السيئة والحسنة كعمل المواقعة مثلا المشترك بين الزنا والنكاح ، والأكل المشترك بين أكل المال غصبا وبإذن من مالكه بل صفة الفعل من حيث موافقته لأمر الله ومخالفته له مثلا من حيث إنه يتأثر به الإنسان ويحفظ عليه دون الفعل الذي هو مجموع حركات متصرمة متقضية فانية وكذا عنوانه القائم به الفاني بفنائه.
وهذه الآثار السيئة التي يتبعها العقاب أعني السيئات لازمة للإنسان حتى يؤخذ بها يوم تبلى السرائر.
ولو لا شوب من الشقوة والمساءة في الذات لم يصدر عنها عمل سيىء إذ الذات السعيدة الطاهرة من كل وجه لا يصدر عنها سيئة قذرة فالأعمال السيئة إنما تلحق ذاتا شقية خبيثة بذاتها أو ذاتا فيها شوب من شقاء وخباثة.
ولازم ذلك إذا تطهرت بالتوبة وطابت بالإيمان والعمل الصالح فتبدلت ذاتا سعيدة ما فيها شوب من قذارة الشقاء أن تتبدل آثارها اللازمة التي كانت سيئات قبل ذلك فتناسب الآثار للذات بمغفرة من الله ورحمة وكان الله غفورا رحيما.
وإلى مثل هذا يمكن أن تكون الإشارة بقوله:"فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما".
قوله تعالى:"و من تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا"المتاب مصدر ميمي للتوبة ، وسياق الآية يعطي أنها مسوقة لرفع استغراب تبدل السيئات حسنات بتعظيم أمر التوبة وأنها رجوع خاص إلى الله سبحانه فلا بدع في أن يبدل السيئات حسنات وهو الله يفعل ما يشاء.
وفي الآية مع ذلك شمول للتوبة من جميع المعاصي سواء قارنت الشرك أم فارقته ، والآية السابقة - كما تقدمت الإشارة إليه - كانت خفية الدلالة على حال المعاصي إذا تجردت من الشرك.
قوله تعالى:"و الذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما"قال في مجمع البيان: ، أصل الزور تمويه الباطل بما يوهم أنه حق.
انتهى.
فيشمل الكذب وكل لهو باطل كالغناء والفحش والخنا بوجه ، وقال أيضا: يقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه منه انتهى.
فقوله:"و الذين لا يشهدون الزور"إن كان المراد بالزور الكذب فهو قائم مقام المفعول المطلق والتقدير لا يشهدون شهادة الزور ، وإن كان المراد اللهو الباطل كالغناء ونحوه كان مفعولا به والمعنى لا يحضرون مجالس الباطل ، وذيل الآية يناسب ثاني المعنيين.
وقوله:"و إذا مروا باللغو مروا كراما"اللغو ما لا يعتد به من الأفعال والأقوال لعدم اشتماله على غرض عقلائي ويعم - كما قيل - جميع المعاصي ، والمراد بالمرور باللغو المرور بأهل اللغو وهم مشتغلون به.
والمعنى: وإذا مروا بأهل اللغو وهم يلغون مروا معرضين عنهم منزهين أنفسهم عن الدخول فيهم والاختلاط بهم ومجالستهم.
قوله تعالى:"و الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا"الخرور على الأرض السقوط عليها وكأنها في الآية كناية عن لزوم الشيء والانكباب عليه.
والمعنى: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم من حكمة أو موعظة حسنة من قرآن أو وحي لم يسقطوا عليه وهم صم لا يسمعون وعميان لا يبصرون بل تفكروا فيها وتعقلوها فأخذوا بها عن بصيرة فآمنوا بحكمتها واتعظوا بموعظتها وكانوا على بصيرة من أمرهم وبينة من ربهم.