فهرس الكتاب

الصفحة 2870 من 4314

و قيل: المراد أن المشفع لهم لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا والعهد هو الإيمان بالله والتصديق بالنبوة ، وقيل: وعده تعالى له بالشفاعة كما في الأنبياء والأئمة والمؤمنين والملائكة على ما في الأخبار ، وقيل: هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن يتبرأ من الحول والقوة وأن لا يرجو إلا الله ، والوجه الأول هو الأوجه وهو بالسياق أنسب.

قوله تعالى:"و قالوا اتخذ الرحمن ولدا"من قول الوثنيين وبعض خاصتهم ، وإن قال ببنوة الآلهة أو بعضهم لله سبحانه تشريفا أو تجليلا لكن عامتهم وبعض خاصتهم - في مقام التعليم - قال بذلك تحقيقا بمعنى الاشتقاق من حقيقة اللاهوت واشتمال الولد على جوهرة والده ، وهذا هو المراد بالآية والدليل عليه التعبير بالولد دون الابن ، وكذا ما في قوله:"إن كل من في السماوات والأرض"إلى تمام ثلاث آيات من الاحتجاج على نفيه.

قوله تعالى:"لقد جئتم شيئا إدا"إلى تمام ثلاث آيات ، الإد بكسر الهمزة: الشيء المنكر الفظيع ، والتفطر الانشقاق ، والخرور السقوط ، والهد الهدم.

والآيات في مقام إعظام الذنب وإكبار تبعته بتمثيله بالمحسوس يقول: لقد أتيتم بقولكم هذا أمرا منكرا فظيعا تكاد السماوات يتفطرن وينشققن منه وتنشق الأرض وتسقط الجبال على السهل سقوط انهدام إن دعوا للرحمن ولدا.

قوله تعالى:"و ما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا"إلى تمام أربع آيات.

المراد بإتيان كل منهم عبدا له توجه الكل إليه ومثوله بين يديه في صفة المملوكية المحضة فكل منهم مملوك له لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وذلك أمر بالفعل ملازم له ما دام موجودا ، ولذا لم يقيد الإتيان في الآية بالقيامة بخلاف ما في الآية الرابعة.

والمراد بإحصائهم وعدهم تثبيت العبودية لهم فإن العبيد إنما تتعين لهم أرزاقهم وتتبين وظائفهم والأمور التي يستعملون فيها بعد الإحصاء وعدهم وثبتهم في ديوان العبيد وبه تسجل عليهم العبودية.

والمراد بإتيانه له يوم القيامة فردا إتيانه يومئذ صفر الكف لا يملك شيئا مما كان يملكه بحسب ظاهر النظر في الدنيا وكان يقال: إن له حولا وقوة ومالا وولدا وأنصارا ووسائل وأسبابا إلى غير ذلك فيظهر يومئذ إذ تتقطع بهم الأسباب أنه فرد ليس معه شيء يملكه وأنه كان عبدا بحقيقة معنى العبودية لم يملك قط ولن يملك أبدا فشأن يوم القيامة ظهور الحقائق فيه.

ويظهر بما تقدم أن الذي تتضمنه الآيات من الحجة على نفي الولد حجة واحدة ومحصلها أن كل من في السماوات والأرض عبد لله مطيع له في عبوديته ليس له من الوجود وآثار الوجود إلا ما آتاه الله فأخذه هو ممتثلا لأمره تابعا لإرادته من غير أن يملك من ذلك شيئا ، وليس من عبوديتها هذا فحسب بل الله أحصاهم وعدهم فسجل عليهم العبودية وأثبت كلا في موضعه وسخره مستعملا له فيما يريده منه فكان شاهدا لعبوديته ، وليس هذا المقدار فحسب بل سيأتيه كل منهم فردا لا يملك شيئا ولا يصاحبه شيء ويظهر بذلك حقيقة عبوديتهم للكل فيشهدون ذلك وإذا كان هذا حال كل من في السموات والأرض فكيف يمكن أن يكون بعضهم ولدا لله واجدا لحقيقة اللاهوت مشتقا من جوهرتها ، وكيف تجتمع الألوهية والفقر؟.

وأما انتهاء وجود الأشياء إليه تعالى وحده كما تضمنته الآية الأولى فمما لا يرتاب فيه مثبتو الصانع سواء في ذلك الموحدون والمشركون وإنما الاختلاف في كثرة المعبود ووحدته وكثرة الرب بمعنى المدبر ولو بالتفويض وعدمها.

قوله تعالى:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا"الود والمودة المحبة وفي الآية وعد جميل منه تعالى أنه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات مودة في القلوب ولم يقيده بما بينهم أنفسهم ولا بغيرهم ولا بدنيا ولا بآخره أو جنة فلا موجب لتقييد بعضهم ذلك بالجنة وآخرين بقلوب الناس في الدنيا إلى غير ذلك.

وقد ورد في أسباب النزول ، من طرق الشيعة وأهل السنة أن الآية نزلت في علي (عليه السلام) ، وفي بعضها ما ورد من طرق أهل السنة أنها نزلت في مهاجري الحبشة وفي بعضها غير ذلك وسيجيء في البحث الروائي الآتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت