فهرس الكتاب

الصفحة 2869 من 4314

و لا ضير في نسبة إرسال الشياطين إليه تعالى بعد ما كان على طريق المجازاة فإنهم كفروا بالحق فجازاهم الله بزيادة الكفر والضلال ويشهد بذلك قوله:"على الكافرين"ولو كان إضلالا ابتدائيا لقيل:"عليهم"من غير أن يوضع الظاهر موضع المضمر.

والآية وهي مصدرة بقوله:"أ لم تر"المفيد معنى الاستشهاد مسوقة لتأييد ما ذكر في الآية السابقة من كون آلهتهم عليهم ضدا ، فإن تهييج الشياطين إياهم للشر والفساد واتباع الباطل معاداة وضدية والشياطين وهم من الجن من جملة آلهتهم ولو لم يكن هؤلاء الآلهة عليهم ضدا ما دعوهم إلى ما فيه هلاكهم وشقاؤهم.

فالآية بمنزلة أن يقال: هؤلاء الآلهة الذين يحسبونهم لأنفسهم عزا هم عليهم ضد وتصديق ذلك أن الشياطين وهم من آلهتهم يحركونهم بإزعاج نحو ما فيه شقاؤهم وليسوا مع ذلك مطلقي العنان بل إنما هو بإذن من الله يسمى إرسالا وعلى هذا فالآية متصلة بسابقتها وهو ظاهر.

وجعل صاحب روح المعاني ، هذه الآية مترتبة على مجموع الآيات من قوله:"و يقول الإنسان ء إذا ما مت لسوف أخرج حيا"إلى قوله:"و يكونون عليهم ضدا"ومتصلة به وأطنب في بيان كيفية الاتصال بما لا يجدي نفعا وأفسد بذلك سياق الآيات واتصال ما بعد هذه الآية بما قبلها.

قوله تعالى:"فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا"العد هو الإحصاء والعد يفني المعدود وينفده وبهذه العناية قصد به إنفاد أعمارهم والانتهاء إلى آخر أنفاسهم كأن أنفاسهم الممدة لأعمارهم مذخورة بعددها عند الله فينفدها بإرسالها واحدا بعد آخر حتى تنتهي وهو اليوم الموعود عليهم.

وإذ كان مدة بقاء الإنسان هي مدة بلائه وامتحانه كما ينبىء عنه قوله:"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا": الكهف: 7 كان العد بالحقيقة عدا للأعمال المثبتة في صحيفة العمر ، ليتم بذلك بنية الحياة الأخروية الخالدة ويستقصى للإنسان ما يلتئم به عيشه هناك من نعم أو نقم فكما أن مكث الجنين في الرحم مدة يتم به خلقه جسمه كذلك مكث الإنسان في الدنيا لأن يتم به خلقة نفسه وإن يعد الله ما قدر له من العطية ويستقصيه.

وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يستعجل الموت لكافر طالح لأن مدة بقائه مدة عد سيئاته ليحاسب عليها ويعذب بها ولا لمؤمن صالح لأن مدة بقائه مدة عد حسناته ليثاب بها ويتنعم والآية لا تقيد العد وإن فهم من ظاهرها في بادىء النظر عد الأنفاس أو الأيام.

وكيف كان فقوله:"فلا تعجل عليهم"تفريع على ما تقدم ، وقوله:"إنما نعد"تعليل له وهو في الحقيقة علة التأخير ومحصل المعنى إذ كان هؤلاء لا ينتفعون باتخاذ الآلهة وكانوا هم وآلهتهم منتهين إلينا غير خارجين من سلطاننا ولا مسيرهم في طريقهم بغير إذننا فلا تعجل عليهم بالقبض أو بالقضاء ولا يضيق صدرك عن تأخير ذلك إنما نعد لهم أنفاسهم أو أعمالهم عدا.

قوله تعالى:"يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا"الوفد هم القوم الواردون لزيارة أو استنجاز حاجة أو نحو ذلك ولا يسمون وفدا إلا إذا كانوا ركبانا وهو جمع واحده وافد.

وربما استفيد من مقابلة قوله في هذه الآية"إلى الرحمن"قوله في الآية التالية:"إلى جهنم"أن المراد بحشرهم إلى الرحمن حشرهم إلى الجنة وإنما سمي حشرا إلى الرحمن لأن الجنة مقام قربه تعالى فالحشر إليها حشر إليه.

ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:"و نسوق المجرمين إلى جهنم وردا"فسر الورد بالعطاش وكأنه مأخوذ من ورود الماء أي قصده ليشرب ولا يكون ذلك إلا عن عطش فجعل بذلك الورد كناية عن العطاش ، وفي تعليق السوق إلى جهنم بوصف الإجرام إشعار بالعلية ونظيره تعليق الحشر إلى الرحمن في الآية السابقة بوصف التقوى.

ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:"لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا"وهذا جواب ثان عن اتخاذهم الآلهة للشفاعة وهو أن ليس كل من يهوى الإنسان شفاعته فاتخذه إلها ليشفع له يكون شفيعا بل إنما يملك الشفاعة بعهد من الله ولا عهد إلا لآحاد من مقربي حضرته ، قال تعالى:"و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت