ذلك مما يخالف مذهبهم، وهذا التقدير ينكره متأخرو القدرية، بينما يثبتون علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها [1] .
ولو ذهبنا نستجلي أقوال الناس في هذه المسألة لوجدنا أنها هي هي، لم تتغير قبل الإسلام أو بعده، فهي ترجع دائمًا إلى ثلاثة أقوال [2] :
1 -قول الجبرية [3] : الذين يقولون: بأن الله هو الخالق للأفعال، بينما الإنسان مجبور على أفعاله.
2 -قول أهل حرية الإرادة [4] : الذين يقولون: إن الله لا يوصف بأنه يخلق فعل العبد، بل الإنسان مستقل في أفعاله عن خالقه، وأنه هو الذي يخلق أفعاله، وهم يقولون هذا لسببين:
أ-أن فعل العبد فيه الأشياء المشينة مثل: الكفر، والزنا، والسرقة، والقتل .. إلخ، ولو قيل: أن الله هو الذي يخلق هذه الأشياء، لصار في هذا نسبة للأشياء السيئة إلى الله، وهو منزه عنها.
(1) ينظر: فتح الباري (1/ 119) ، وسطية أهل السنة بين الفرق (ص 371) . ينظر: الفرق بين الفرق (ص 25) ، درء التعارض (9/ 396) ، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 200) (3/ 450) (4/ 775) ، مجموع الفتاوى (8/ 419) .
(2) ينظر: القضاء والقدر في الإسلام، د. فاروق الدسوقي (1/ 1 - 38) ، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة، د. عبد الرحمن المحمود (3/ 1308 - 1330) ، تناقض أهل الأهواء والبدع (1/ 359 - 360) .
(3) الجبرية هم نفاة الفعل حقيقة من العبد، وإضافته إلى الرب تعالى، وأشهر من يمثلها: الجهمية، والقائلين بالكسب من الأشاعرة، وهم أصناف: منهم الجبرية الخالصة: التي لا تثبت للعبد فعلًا ولا قدرة على الفعل أصلًا، والجبرية المتوسطة: التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة.
ينظر: الملل والنحل (1/ 72) ، والتعريفات (ص 74) . ينظر: تفصيل مذهبهم في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 103 - 106) ، والملل والنحل (1/ 85 - 86) وما بعدها، والبرهان للسكسكي (ص 42 - 43) .
(4) وهم القدرية وسموا بذلك لتكذيبهم القدر، ومقولتهم قائمة على أن العبد خالق لأفعاله كلها، خيرها وشرها استقلالًا، وأول ما ظهر عنهم هو أن الأمر أنف، أي مستأنف، لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه. وكان أول من تلكم به رجل نصراني يقال له سنسويه البقال، وسماه الأوزاعي سوسن، أسلم ثم عاد فتنصر، فأخذ عنه معبد الجهني البصري وأخذ عنه معبد غيلان ابن مسلم الدمشقي. وقد أطلق السلف رحمهم الله تعالى هذا الاسم على المعتزلة أيضًا، ووصموها به لكونهم نفوا قضاء الله وقدره في معاصي العباد.
ينظر: السنة للخلال (ص 526 - 528) ، ومعالم السنن للخطابي (4/ 317 - 320) ، وغريب الحديث للخطابي (2/ 393 - 394) ، وشرح النووي لصحيح مسلم (1/ 153 - 156) ، والبرهان لسكسكي (ص 50) .