وهذه الآية هي حقيقة الصلة بين الله - عز وجل - وبين الثقلين من خلقه، فهي تأتي بعد مرتبتي الفطرة والميثاق، فبعد أن فطر الله الخلق أول الأمر على الإسلام [1] ، ثم أخذ عليهم الميثاق على مقتضى الفطرة التي فطرهم عليها [2] ، ها هو - عز وجل - يعلن الصلة بينه وبين خلقه وأنها هي الغاية من وجودهم، وهذا هو موضوع جميع رسالات الأنبياء والرسل -عليهم السلام- [3] .
وفي هذه الآية سر الأمر كله وعلته وحجته، وعليها مدار الأمر كله، قال ابن تيمية - رحمه الله - بعد أن استعرض ما أورده الله في مجمل سورة الذاريات:"فهذا كله يتضمن أمر الإنس والجن بعبادته وطاعته وطاعة رسله واستحقاق من يفعل العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا قال بعد ذلك: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) } الذاريات: 56 - 57، كان هذا مناسبًا لما تقدم مؤتلفًا معه: أي هؤلاء الذين أمرتهم إنما خلقتهم لعبادتي ما أريد منهم غير ذلك، لا رزقًا ولا طعامًا" [4] .
(1) قال - عز وجل - في الحديث القدسي: (( إني خلقت عبادي حنفاء ) )، أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار برقم (2865) .
(2) قال سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) } الأعراف: 172.
(3) ينظر: دراسة لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } ، أ. د. محمد عبد الرحمن أبو سيف الجهني (ص 2) ، مجلة البحوث الإسلامية عدد (91) .
(4) مجموع الفتاوى (8/ 42 - 43) .