فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 564

لذا فليست الوسطية منهجية السلامة والبحث عن الأسهل والتهاون في الدين، فالوسطية لا ترسمها الأذهان، ولكنها الحق الأصيل الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقضى أمرها الرحمن {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} البقرة: 143.

قال ابن مسعود - رضي الله عنه:"خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطًا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سُبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } الأنعام: 153" [1] .

فوُحِد لفظ صراط الله وسبيله، وجمعت السبل المخالفة له [2] ، ليدلنا هذا على أن الخروج مفارقة الوسطية مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام؛ لأنها تقتضي التفرق شيعًا، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} آل عمران: 105، وقوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} الأنعام: 153، وقوله: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) } الروم: 32، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} الأنعام: 159، وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى.

وقد بين عليه الصلاة والسلام أن فساد ذات البين هي الحالقة، وأنها تحلق الدين [3] .

وجميع هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع [4] .

(1) أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برقم (11) ، صححه الألباني في صحيح ابن ماجة برقم (11) .

(2) شرح الطحاوية ت الأرناؤوط (2/ 799) .

(3) رواه الإمام أبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب في إصلاح ذات البين عن أبي الدرداء برقم (4919) ، والإمام الترمذي في كتاب صفة القيامة وصححه برقم (2509) ، والإمام أحمد في المسند (6/ 444 ـ 445) والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/ 150) ، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص 85 ـ 86) ، وصححه الشيخ الألباني كما في غاية المرام برقم (414) (ص 237) .

(4) الاعتصام للشاطبي (1/ 207) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت