يُعدُّ"كتابُ التاريخ الكبير"من أعظم كتب النقد الحديثي، وأغزرها فوائدَ، بَيْدَ أنه رفيعُ المستوى، عسيرُ المنال في بعض الأحيان، حتى على المتخصِّصين، وقد أبدع العلَّامة مُغلطاي في وصفه بقوله:"عادة البخاري -رضي اللَّه عنه- يذكر شيئًا، ويعترض بشيء، ثم يذكر شيئًا آخر، فمن لا يتدبره لا يكاد يفهمه."
ولهذا قال لما بلغه عيبُ مَن عاب"تاريخه": باللَّه، إنَّ مشايخَهم لا يفهمونه، ولا يكادونَ يهْتدونَ لموْضوعه" (2) ."
-وقد جمع البخاري في"تاريخه"بين علم العِلل، والجرح والتعديل، والأنساب، وتاريخ الرواة، والأحكام على الأحاديث، وجمهرة من الفوائد المتعددة.
-ورتَّب تراجم"تاريخه"على حروف المعجم:"أ، ب، ت، ث،. . ."، كما رتب هؤلاء الرواة على أسماء آبائهم حسب الترتيب الألفبائي، إلا أنَّه قدَّم مَن اسمه محمد على سائر الأسماء؛ لشرف هذا الاسم الكريم.
-وابتدأ بذكر ترجمة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونسبه إلى آدم -عليه السلام-، بعد أن قدَّم لذلك بمقدمة بَيَّنَ فيها فضل قريش على الناس، وذكر شيئًا من صفاتِه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومدَّة بَعْثه، وذكر كيف بدأ التاريخ الهجري في عهد عُمر بن الخطاب، ثمَّ ذكر تاريخ وفاة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. وخُطَّته أنه يذكر أسماء الصحابة، ثم التابعين، ثم مَن بعدهم في كل حرف من الحروف.
(1) وانظر"تاريخ البخاريّ"للزرقيّ.
(2) "إكمال تهذيب الكمال"لمغلطاي، مخطوط بالسليمانية (ج 1/ ق 295 ب) .