فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 38700 من 67893

فإن عقد زواج الرجل الذي بيَّت نية تطليق زوجته إذا قضى منها وطرًا، بعد زمن محدد أو غير محدد من طرفه، دون إشعار الزوجة بذلك، و لا الاتفاق معها عليه، عقد شرعي صحيح، و إن تلبس بالحرمة بسبب ما فيه من كذب و غش و خداع و ظلم محرم.

و قد يستغرب البعض قولنا: إن العقد صحيح، مع قولنا: إن فيه من الكذب و الغش و الخداع و الظلم المحرم ما يأثم صاحبه عليه، و لا تبرأ ذمته منه إلا بتوبةٍ و إباحة.

و بيان ذلك: أن صحة العقد مترتبة على قيام أركانه و توفر شروطه، و هي:

أولًا: الإيجاب و القبول من الطرفين، و المقصود به اتفاق رغبتيهما على الزواج وفق ما بينهما من شروط، و مهر مسمى.

ثانيًا: موافقة ولي الزوجة، و هو شرط عند جمهور العلماء.

ثالثًا: تسمية (تحديد مقدار) المهر المدفوع للزوجة، أو الثابت لها في ذمة الزوج.

رابعًا: إعلان الزواج و إشهاره، و أقل ما يتم الإعلان به إشهاد ذَوَيْ عدل على العقد.

فأيما عقد قران استوفى هذه الشروط فهو عقد صحيح، و المراد بكونه صحيحًا أن تترتب عليه آثاره الشرعية، و لا يخرجه عن الصحة ارتكاب أحد طرفيه أمرًا محرمًا كالغش و التغرير و نحو ذلك، بل يظل العقد صحيحًا، و يبوء الآثم بإثم ما اقترف.

و عليه فإن الرجل الذي تزوج مبيتًا نية التطليق، و العزم عليه عاجلًا أو آجلًا تلزمه آثار عقد النكاح ديانةً و قضاءًا، و من أهمها:

• إلحاق أبنائة من ذلك النكاح به نسبًا.

• إلزامه بالنفقة و السكنى و سائر ما أوجبه عليه الشارع تجاه أبنائة، و زوجته ما دامت في عصمته، أو عدَّةِ طلاقها منه.

• لزوجته النفقة و عليها العدة إذا طلقها، و لها مع ذلك حقها من إرثه إن مات قبل أن يطلقها.

و هذه الأمور و غيرها مما أوجبه الشارع الحكيم سبحانه لا تجب إلا من عقد صحيح، و لا أعلم أحدًا من أهل العلم لم يثبتها في زواج من بيَّت نية الطلاق قبل الزواج، فلزِمَ أن يكون عقدًا صحيحًا.

بل المعروف عن جمهور العلماء (من أتباع المذاهب الأربعة و غيرهم) رحمهم الله تعالى هو القول بصحة هذا النكاح فقد جاء في [فتح القدير في الفقه الحنفي، ص: 349] قول الكمال بن الهمام رحمه الله: (لو تزوج المرأة و في نيته أن يقعد معها مدة نواها صحَّ، لأن التوقيت إنما يكون باللفظ) .

و قال الإمام الباجي المالكي رحمه الله [في المنتقى بشرح موطأ الإمام مالك: 3/ 355] : (من تزوج امرأةً لا يريد إمساكها، إلا إنه يريد أن يستمتع بها مدةً ثم يفارقها، فقد روى محمد عن مالك أن ذلك جائز) .

أما عند الشافعية فقد جاء [في حاشية الشبراملسي على شرح المنهاج: 6/ 210] : (أما لو توافقا عليه قبل و لم يتعرضا له في العقد لم يضر لكن ينبغي كراهته) و [في نهاية المحتاج: 6/ 277] : (خرج بذلك إضماره، فلا يؤثر و إن تواتطآ قبل العقد عليه. نعم، يُكره إذ كل ما لو صرح به أبطل يكون إضماره مكروهًا، نص عليه) .

و قال الإمام النووي رحمه الله: (قال القاضي: و أجمعوا على أن من نكح نكاحًا مطلقًا و نيَّتُه أن لا يمكث معها إلا مدة نواها فنكاحه صحيح حلال، و ليس نكاح متعة. و إنما نكاح المتعة ما وقع بالشرط المذكور. و لكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق الناس. و شذ الأوزاعي، فقال: هو نكاح متعة و لا خير فيه) [شرح صحيح مسلم: 9/ 182] .

و انظر نحو ذلك في [الحاوي، للماوردي: 9/ 333] و [مغني المحتاج، للشربيني: 3/ 183] .

و من الحنابلة قال محقق المذهب الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله [كما في المغني مع الشرح الكبير: 7/ 573] : (و إن تزوجها بغير شرط، إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم، إلا الأوزاعي قال: هو نكاح متعة. و الصحيح: أنه لا بأس به، و لا تضر نيته، و ليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته، و حسبه إن وافقته و إلا طلقها) .

و قد أسهب في تحرير هذه المسألة، و أطال النفس في الانتصار إلى ما ذهب إليه الجمهور من تصحيح نكاح من نوى الطلاق ما لم يشترطه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فارجع إليه و انظره محتسبًا [في مجموع الفتاوى: 32/ 147] .

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت