أوقع ببغداد ما أوقع، ثم انفصل عنها- على هيئة الخادم المتلطف له، ومعه الهدايا
والتحف!! حتى رجع إلى بلاده متوليًا من قبله [11] .
هذا الملك أثنى عليه ابن الأثير في مقدمة كتابه، فقال: ( ... مولانا مالك
الملك (!!) الرحيم، العالم المؤيد، المنصور المظفر بدر الدين، ركن الإسلام
والمسلمين، محي العدل في العالمين، خلد الله دولته)!! [12] . بل الأمر أعجب
من ذلك، فابن الأثير إنما انساق في إتمام تأليف كتابه (الكامل) عن أمر الملك
الرحيم هذا، وهذا ما حكاه ابن الأثير نفسه في مقدمة كتابه حين قال:(فلما جمعت
أكثره أعرضت عنه مدة طويلة لحوادث تجددت وقواطع توالت وتعددت، لأن
معرفتي بهذا النوع كملت وتمت، ثم إن نفرًا من إخواني وذوي المعارف والفضائل
من خلاني .. رغبوا إلي في أن يسمعوه مني، ليرووه عني، فاعتذرت بالأعراض
عنه وعدم الفراغ منه، فإنني لم أعاود مطالعة مسودته ولم أصلح ما أصلح فيه من
غلط وسهو .. إلى أن قال: فبينما الأمر كذلك إذ برز من طاعته فرض واجب
واتباع أمره حكم لازب، من أعلاق الفضل بإقباله عليها نافعة .. مولانا مالك الملك
الرحيم .. فحينئذ ألقيت عني جلباب المهل، وأبطلت رداء الكسل، وألفت الدواة
وأصلحت القلم وقلت: هذا أوان الشد فاشتدي زيم، وجعلت الفراغ أهم مطلب،
وإذا أراد الله أمرًا هيأ له السبب وشرعت في إتمامه مسابقًا، ومن العجب أن
السكيت يروم أن يجيء سابقًا، ونصبت نفسي غرضًا للسهام، وجعلتها مظنة
لأقوال اللوام ... ) [13] .
وقال ابن كثير-في ترجمته للملك الرحيم: وقد جمع له الشيخ عز الدين
كتابه المسمى بالكامل في التاريخ فأجازه عليه وأحسن إليه [14] .
وإذا كان الأمر كذلك فهل بإمكاننا أن نفسر نزعة التشيع في (الكامل) بهذا
الأمر وهي نزعة لا يمكن تجاهلها ولا قبولها - مهما كانت أسبابها - فبالإضافة إلى
الأمثلة التي ساقها الأستاذ محمد العبدة في مقاله الآنف الذكر أسوق الأمثلة التالية:
1 -في أحداث الفتنة الواقعة بين الصحابة يلحظ القارئ (للكامل) تغليب
الروايات التي تصف خصوم (علي) -رضي الله عنه- بصفات يبعد قبولها، بل
يبعد أن يقول بها علي نفسه، ومنها أن عليًا يصف معاوية ويقول:( ... وخلاف
معاوية الذي لم يجعل له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الإسلام، طليق بن
طليق، حزب من الأحزاب، لم يزل حربًا لله ورسوله هو وأبوه حتى دخلا في
الإسلام كارهين ... ) [15] .
وحين رفعت المصاحف (للتحكيم) في (صفين) من قبل أهل الشام، قال
أصحاب علي:
نجيب إلى كتاب الله، فقال لهم علي:(عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم
وقتال عدوكم، فإن معاوية وعمرًا، وابن أبي معيط، وحبيبًا، وابن أبي سرح،
والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، فقد صحبتهم أطفالًا
ثم رجالًا فكانوا شر أطفال وشر رجال ... ) [16] .
إذا كانت هذه الرواية - وأمثالها كثير- لا تليق بمقام الصحابة فلا أدري لماذا
يكثر من ذكرها (ابن الأثير) ؟ دون أن يعلق على كثير منها.
فإن قيل: إن مجمل الروايات التي ساقها إنما سبقه بذكرها الإمام الطبري في
(تاريخه) وابن الأثير في (مقدمته) أبان أنه اعتمد فيما شجر بين الصحابة على
الطبري، فلا لوم عليه في ذلك؛ أجيب بأن هناك فارقًا في المنهج بينهما، فالطبري
وإن لم يعلق على هذه الروايات المنكرة فقد صرح في مقدمته أن في تاريخه ما
يستشنع وإن ذلك كان من قبل الرواة، ورأى الطبري أن إسناده كل رواية إلى
رواتها يعفيه من التبعة، ويجعل الحكم للقارئ يحكم معرفته بالرواة، والأمر يختلف
عند ابن الأثير الذي جعل من منهجه -أحيانًا - الحكم على الروايات، والتعليق
على بعض الروايات، وكان جديرًا به أن يعلق على هذه المرويات المنكرة، كما
صنع الحافظ (ابن كثير) الذي قال -في معرض حديثه عن هذه الروايات: «ثم
ذكر أهل السير كلامًا طويلًا جرى بينهم -يعني معاوية وأصحابه - وبين علي،
وفي صحة ذلك عنهم وعنه نظر، فإن في مطاوي ذلك الكلام من علي ما ينتقص
فيه معاوية وأباه، وأنهم إنما دخلوا في الإسلام ولم يزالا في تردد فيه وغير ذلك [17] .
وحين تعرض لرواية أبي مخنف في لعن علي معاوية ومن معه، ثم لعن
معاوية عليًا ومن معه، قال:
«ولا يصح هذا والله أعلم» [18] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)