(ويحل استعمال كل إناء طاهر في الطهارة) وغيرها إجماعًا ولقد توضأ رسول الله (ص) من جلد ومن قدح من خشب ومن مخضب من حجر ومن إناء من صُفْر. فقد روى الشيخان عن أبي ثعلبة الخُشني [أن النبي (ص) توضأ من مزادة مشركة] والمزادة قربة كبيرة ولا تكون إلا من جلدين وتسمى الراوية أيضًا وأخرج البيهقي في السنن عن أسلم [أن عمر بن الخطاب توضأ في جرة نصرانية] وأما قوله تعالى: [إنما المشركون نجس] التوبة:28 فالمقصود نجس الشرك لا الأبدان والثياب والأواني.
وأما الذين يتدينون باستعمال النجاسة وهم المجوس فهم يتطهرون بالبول ويتقربون بأرواث البقر فالأصح أنه يجوز استعمال أوانيهم وثيابهم لأن الأصل فيها الطهارة إلا ما تيقنا نجاسته.
(إلا ذهبًا أو فضة) أي إناؤهما المصنوع من أحدهما أو منهما ولو بابًا أو مِرْودًا لمُكْحُلة أو خلالًا لأسنان (فيحرم) استعماله في أكل أو غيره وإن لم يُؤْلَفْ هذا الاستعمال كإناء وضعه على رأسه من غير ضرورة. أما استعمال ما غطاه الصدأ أو غشي بغيره بحيث لا يظهر أصله فلا يحرم؛ لانتفاء الخيلاء ويحرم تبخير المنزل بمجمرة مصنوعة من الذهب أو الفضة أو منهما فقد روى الشيخان عن أم سلمة أن النبي (ص) قال:"الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم"والجرجرة هي جرع الماء متتابعًا بحيث يسمع له صوت وروى الشيخان عن حذيفة بن اليمان أن النبي (ص) نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة.
وروى الترمذي وأبو داود عن حذيفة [أن النبي (ص) نهى عن استعمال أواني الذهب والفضة] ولم يفرق بين الشرب وغيره. (وكذا) يحرم (اتخاذه) من غير استعمال (في الأصح) لأنه يجر إلى الاستعمال غالبًا كآلة اللهو ويحرم تزيين الحوانيت والبيوت بآنية الذهب والفضة وكذا تمويه السقوف بهما إ ذا كان يخرج منه شيء بالكشط والحك أو بالنار (ويحل المموه) أي المطلي بذهب أو فضة فإن مُوِّهَ شيء بهما أو بأحدهما كإناء نحاس وخاتم وآلة حرب ولم يحصل منه شيء ولو بالعرض على النار حل استعماله وفي تحلية آلة الحرب خلاف وهي إلى الجواز أقرب للحاجة إلى ذلك ولإرهاب العدو. أخرج الترمذي وغيره عن أنس وقال حديث حسن"أنه حديث كان قبيعة سيفه (ص) من فضة"والقبيعة من السيف وغيره هي ما تكون على طرف مقبضه (في الأصح) لقلة المموه به فإن كثر التمويه حَرُمَ وعله التحريم مركبة من تقليل التداول في النقدين: الذهب والفضة والخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
(ويحل) الإناء (النفيس) في ذاته (كياقوت) ومرجان وعقيق وعنبر (في الأظهر) لأنه لم يرد فيه نهي ولا يعرفه إلا الخواص فلا تنكسر باستعماله قلوب الفقراء (وما ضبب) أي والإناء الذي ضبب (بذهب أو فضة ضبة كبيرة) عرفًا (لزينة) ولو في بعضها بأن يكون بعضها لزينة وبعضها لحاجة (حَرُمَ) لما روى الشيخان عن حذيفة بن اليمان أن النبي (ص) قال:"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"وأما التضبيب فإنه إصلاح كسر الإناء بما يمسكه (أو) ما ضبب بضبة (صغيرة لزينة أو كبيرة لحاجة جاز) مع الكراهة فيهما (في الأصح) لأن الاستعمال منسوب إلى جميع الإناء لا إلى موضع الضبة.
(قلت المذهب تحريم) إناء (ضبة الذهب مطلقًا) لأن الخيلاء فيه أشد وأما قوله: مطلقًا أي من غير تمييز بين الضبة الكبيرة والضبة الصغيرة لأن قدح رسول الله (ص) كان مسلسلًا بالفضة"رواه الشيخان عن عاصم الأحول قال:"رأيت قدح رسول الله (ص) عند أنس بن مالك وكان قد انصدع فسلسله بفضة"ولا يلزم من جواز الفضة جواز الذهب لأنها أوسع في الإباحة بدليل جواز خاتم الفضة للرجل وحرمة خاتم الذهب له. وقيل إن الذهب والفضة سواء لأن العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإناء الذي كله منهما أو من احدهما فضلا ًعن المضبب به. وعند الاضطرار يباع الذهب مطلقًا لما روى أبو داود والترمذي والنسائي بسند صحيح وصحح ابن حبان عن عَرْفَجَة بن أسعد وقد أصيبت أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفًا من فضة فأنتن فأمره النبي (ص) أن يتخذ أنفًا من ذهب]"
[تتمة]
1 -يسن إذا جن الليل تغطية الإناه ولو بعرض عود ويسن إيكاء السقاء وإغلاق الأبواب مسميًا عند ذلك باسم الله تعالى ويسن كف الصبيان والماشية أول الليل وإطفاء المصباح للنوم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)