يضاف إلى ذلك ما لدى كثير من المسلمين من الجهل وعدم العلم بمعاني الأذكار الشرعية العظيمة ودلالاتها النافعة القويمة، مما يستوجب مضاعفة العناية بالأذكار النبوية علمًا وتعليما، وشرحًا وبيانا، وتوضيحًا وتذكيرا، لتعلم مراميها، وتفهم مقاصدها، وتتضح دلالتها، لتؤدّي بذلك ثمراتها النافعة، وفوائدها الحميدة وخيرها المستمر.
قال ابن القيم - رحمه الله: (( وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ القلب اللسان، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصده ) ).
هذا وإنَّ من الأذكار النبوية العظيمة التي كان يحافظ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكثر من قولها، ويحثّ على الإكثار منها والعناية بها"الحوقلة"، وهي قول (( لا حول ولا قوة إلاّ بالله ) )، فإنَّ هذه الكلمة العظيمة لها من الفضائل والفوائد والثمار ما لا يحصيه إلاّ الله، وفيها من المعاني العميقة والدلالات المفيدة ما يثبت الإيمان، ويقوي اليقين، ويزيد صلة العبد بربّ العالمين.
ولما كان الأمر بهذه المثابة وعلى هذا القدر من الأهمية رأيت إفرادَ هذه الكلمة بهذا البحث الذي جعلته بعنوان (( الحوقلة: مفهومها، وفضائلها، ودلالاتها العقدية ) ).
ورغم أهمية هذا الموضوع وشدّة الحاجة إليه إلاّ أني لم أر من أفرده بالتأليف سوى رسالتين:
إحداهما: لجلال الدين السيوطي، سمّاها (( شرح الحوقلة والحيعلة ) )وهي من أول تأليفه سنة (( 886 هـ ) )كما في كشف الظنون للحاج خليفة، ولم أقف عليها.
الثانية: لجمال الدين يوسف بن عبد الهادي، أسماها (( فضل لا حول ولا قوة إلاّ بالله ) )، وقد خصها بذكر ما يتعلق بفضل هذه الكلمة.
وقد رأيت أن يكون طرقي لهذا الموضوع من خلال المباحث التالية:
المبحث الأول: مفهوم الحوقلة.
المبحث الثاني: فضائلها.
المبحث الثالث: دلالاتها العقدية.
المبحث الرابع: في التنبيه على بعض المفاهيم الخاطئة فيها.
ومن الله تبارك وتعالى أستمد العون واستمنح التوفيق، فلا حول ولا قوة إلاّ به، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
المبحث الأول: مفهوم الحوقلة:
أولًا: المراد بالحوقلة:
الحوقلة كلمةٌ منحوتة من"لا حول ولا قوة إلاّ بالله"، وهذا الباب سماعي، وهو من الفعل الرباعي المجرد كما هو مقررٌ في كتب الصرف.
والنحت (( هو أن ينحت من كلمتين أو أكثر كلمة واحدة تدل على معنى الكلام الكثير، وذلك على النحو التالي:
أ - النحت من كلمتين مركبتين تركيبًا إضافيًا مثلما نحتوا من عبد قيس: عبقسي.
ب - النحت من جملة مثل: بسمل أي: قال بسم الله، حوقل، قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله )) .
ويقال لها أيضا (( الحولقة ) )، قال النووي - رحمه الله: (( قال أهل اللغة: ويعبر عن هذه الكلمة بالحوقلة والحولقة … ) ).
وقال في موضع آخر: (( ويقال في التعبير عن قولهم لا حول ولا قوة إلاّ بالله الحوقلة، هكذا قاله الأزهري والأكثرون، وقال الجوهري الحولقة، فعلى الأول وهو المشهور الحاء والواو من الحول، والقاف من القوة، واللام من اسم الله تعالى، وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، والأول أولى لئلا يفصل بين الحروف ) ).
ويلاحظ على هذا أمران:
1 -أنَّ الذي ذكره الأزهري في تهذيب اللغة ونقله عن بعض أهل اللغة كالفراء وابن السكيت (( الحولقة ) )وليس (( الحوقلة ) ).
2 -تعليل أولوية لفظ (( حوقل ) )على لفظ (( حولق ) )بحجة عدم الفصل بين الحروف غير واضح، لأنَّ (( حولق ) )ليس فيها فصل بين الحروف.
ثانيًا: معنى (( لا حول ولا قوة إلاّ بالله ) ):
الحول: هو التحرك، يقال: حال الرجل في متن فرسه يحول حولًا وحوُولًا إذا وثب عليه، وحال الشخص إذا تحرك، وكذلك كلُّ متحول عن حاله.
والقوة: هي الشدّة وخلاف الضعف، يقال: قوي الرجل، كرضي، فهو قويٌّ وتَقوَّى واقتوى أي: صار ذا شدّة، وقوّاه الله أي: أعطاه القوة وهي الشدّة وعدم الضعف.
فمعنى لا حول ولا قوة إلاّ بالله أي: لا تحول من حال إلى حال، ولا حصول قوة للعبد على القيام بأيِّ أمر من الأمور، إلاّ بالله، أي: إلاّ بعونه وتوفيقه وتسديده، وقد ورد في بيان معنى هذه الكلمة وتوضيح المراد بها عن السلف وأهل العلم نقول عديدة من ذلك:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)