وذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين داود الجواربي في أثناء الكلام على اختلاف الناس في التجسيم، فقال: اختلفت المجسمة فيما بينهم في التجسيم، وهل للباري تعالى قدر من الأقدار، وفي مقداره، على ست عشرة مقالة، فقال هشام بن الحكم: إن الله جسم محدود عريض عميق طويل، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، نور ساطع، له قدر من الأقدار -بمعنى: أن له مقدارًا في طوله وعرضه وعمقه- لا يتجاوزه، في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية، يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، ذو لون وطعم ورائحة ومجسة، لونه هو طعمه، وهو رائحته، وهو مجسته، وهو نفسه لون، ولم يثبت لونًا غيره، وإنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد.
ولولا أن الله تعالى حكى مقالة الكافرين والمشركين في كتابه ما تجرأ آدمي أن يحكي مقالة هؤلاء.
وحكى عنه أبو الهذيل أنه أجابه إلى أن جبل أبي قبيس أعظم من معبودهم.
وجبل أبي قبيس في مكة، وهو أكبر من الله عز وجل عند هؤلاء الضلال! فجعلوا بعض مخلوقاته أعظم من الخالق.
وحكى عنه ابن الراوندي: أنه زعم أن الله سبحانه يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات، ولولا ذلك ما دلت عليه، وحكى عنه أنه قال: هو جسم لكن لا كالأجسام.
ومعنى ذلك أنه شيء موجود.
وقد ذكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت الباري ملونًا، ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسة، وأن يكون طويلًا وعريضًا وعميقًا، وزعم أنه في مكان دون مكان، متحرك من وقت خلق الخلق.
وقال قائلون: إن الباري جسم، وأنكروا أن يكون موصوفًا بلون أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصف به هشام هذا، غير أنه على العرش مماس له دون ما سواه.
واختلفوا في مقدار الباري بعد أن جعلوه جسمًا، فقال قائلون: هو جسم، وهو في كل مكان، وفاضل عن جميع الأماكن، وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكثر من مساحة العالم؛ لأنه أكبر من كل شيء.
وقال بعضهم: مساحته على قدر العالم.
وقال الآخرون: إن الباري جسم له مقدار في المساحة، ولا ندري كم ذلك القدر.
وقال بعضهم: هو في أحسن الأقدار، وأحسن الأقدار أن يكون ليس بالعظيم الجافي ولا القليل القميء.
وحكي عن هشام بن الحكم: أن أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه.
وقال بعضهم: ليس لمساحة الباري نهاية ولا غاية، وإنه ذاهب في الجهات الست: اليمين والشمال والأمام والخلف والفوق والتحت، قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق، وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب.
وقال قوم: إن معبودهم هو الفضاء -الفراغ- وهو جسم تحل فيه الأشياء، ليس بذي غاية ولا نهاية.
وقال بعضهم: هو الفضاء وليس بجسم، والأشياء قائمة به.
وقال داود الجواربى -وهو الشاهد في المشبهة والمجسمة- ومقاتل بن سليمان: إن الله جسم، وإنه جثة على صورة الإنسان: لحم ودم وشعر وعظم.
فإذا كان هذا إمام من الأئمة فكيف لا يكفر؟ قال: وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو مع هذا لا يشبه غيره، ولا يشبهه الغير.
وأهل السنة لا يقولون بهذا، ولكن يقولون: إن له أسماء وصفات، وأما أن تجعل الصفات جوارح وأعضاء فلا بد وأنها تمثيل وتشبيه.
قال: وكثير من الناس يقولون: هو مصمت -يعني: غير مجوف- ويتأولون قول الله تعالى: {الصَّمَدُ} [الإخلاص:2] بمعنى: المصمت الذي ليس بأجوف.
ومعنى الصمد عند أهل السنة والجماعة، بل في اللسان العربي: الذي تصمد إليه الخلائق، أي: ترجع إليه في حوائجها.
وقال هشام بن سالم الجواليقى: إن الله على صورة الإنسان، وأنكر أن يكون لحمًا ودمًا.
يعني: أنكر على داود مقالته تلك.
وإنه نور ساطع يتلألأ بياضًا، وإنه ذو حواس خمس.
يعني: جعله كالإنسان.
كحواس الإنسان سمعه غير بصره، وكذلك سائر حواسه، له يد ورجل وأذن وعين وأنف وفم، وإن له وفرة سوداء.
يعني: له شعر أسود، تعالى الله عز وجل عن قولهم علوًا كبيرًا.
فهذا داود الجواربي قد جعل الله تعالى في نهاية الأمر كالإنسان تمامًا بتمام.