مذهب آخر قال: نحن نثبت هذه الأحاديث ولكن لا نفهم معنى النزول إلا ما نفهمه من نزول المخلوقين.
فنحن لا نرد النصوص، ولكننا ننازع في فهم هذه النصوص، فنقول: نحن لا نفهم من النزول إلا ما نفهمه من نزول أحدنا، وأحدنا لا ينزل إلا إذا كان في علو ونزل درجة درجة.
وافترى بعضهم على شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى أنه قال على منبر المسجد الكبير في الشام: إن الله تبارك وتعالى ينزل كنزولي هذا، ونزل درجتين ثم صعد.
وهذا في حق شيخ الإسلام ابن تيمية الذي له رسالة في شرح أحاديث النزول من أمتع ما يمكن أن تقرأ وتسمع، والذي يذكر فيها مذاهب الفرق جميعًا في معنى نزول ربنا تبارك وتعالى، ثم يذهب في معنى النزول إلى ما قاله مالك: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ولذلك اعتقاد أهل السنة والجماعة في جميع صفات المولى تبارك وتعالى الذاتية والفعلية قولهم هذا: الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة.
إذًا: فكيف يقال: إن شيخ الإسلام يقول: إن ربنا ينزل كنزولي هذا وينزل درجتين ثم يصعد المنبر مرة أخرى.
هذا كذب وافتراء على شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن على أية حال! طار بهذا الخبر وبهذا النقل الكاذب أصحاب الأهواء والبدع الذين يبغضون شيخ الإسلام ابن تيمية، بل ويبغضون السنة وحامليها، طاروا بهذا الخبر فرحًا وقالوا: هذا في حكم شيخ الإسلام ابن تيمية، فإن كفرتم بعض المتعنتين الغالين من الفرق الضالة فيلزمكم أن تكفروا شيخكم شيخ الإسلام ابن تيمية.
وشيخ الإسلام لم يصدر عنه هذا، بل صدر عنه غيره، وكلامه مسطور مكتوب، فضلًا عن أن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله لم يكن خطيبًا قط، وهذا الخبر نقل أنه كان يخطب الجمعة فقال هذا، وشيخ الإسلام ابن تيمية لا يعلم من حياته قط أنه كان خطيبًا.
وهذا وجه ثان للرد على هؤلاء الكذبة الذين افتروا على شيخ الإسلام ابن تيمية.
الوجه الثالث: أن هذا العام الذي نقل ابن بطوطة في رحلته، وذكر السنة التي فعل فيها شيخ الإسلام ابن تيمية هذا لم يكن شيخ الإسلام ابن تيمية حرًا، بل كان مقيدًا بالسلاسل في السجن.
وهو الوجه الثالث في إثبات بطلان هذا الكلام ونسبته إلى شيخ الإسلام عليه رحمة الله.
إذًا: للفرق الضالة رأيان: الرأي الأول: رد النصوص وبالتالي عدم التعرض للكيفية، لأن المسألة غير ثابتة.
الرأي الثاني: ثبوت النصوص وتأويلها بما يتفق مع نزول المخلوقين، وهذا غلو في التشبيه، وأنهم لا يفهمون من صفات الخالق إلا ما يفهمونه من صفاتهم إذا اتحدت الصفة في الاسم.
ولعلكم تذكرون تلك القاعدة التي ركزنا عليها أيما تركيز في أول شرح هذه الأصول وقلنا: (ما من شيئين إلا وبينهما اتفاق وافتراق) ، ما من شيئين إلا وبينهما اتفاق في الاسم وافتراق في المسمى، وافتراق في الحقيقة، فنزول الرب تبارك وتعالى يستوي مع نزولي في الاسم فقط، فأنا أنزل والرب تبارك وتعالى ينزل، فالنزول له ثابت والنزول لي كمخلوق ثابت، ولكن مسمى وحقيقة النزول لله تبارك وتعالى تختلف عن حقيقة النزول بالنسبة لي، ولذلك هذه القاعدة ركزنا عليها أيما تركيز وقلنا: ما من شيئين إلا وبينهما اتفاق وافتراق، فمن نفى القدر المشترك فقد مثل وقال: إن الله تعالى كذاتي وصفاته كصفاتي وأفعاله كأفعالي.
ومن نفى القدر الفارق فقد عطل.
إذًا: إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله خلق آدم على صورته) لو افترضنا أن الضمير في صورته يعود على آدم، لو افترضنا ذلك جدلًا فهل صورة الرحمن تبارك وتعالى كصورة آدم تمامًا بتمام؟ لا.
لماذا؟ لأن آدم خلقه الله تعالى على صورة، والله تبارك وتعالى له ذات بكيفية وصورة تليق بجلاله.
إذًا: فأنا أثبت لله تبارك وتعالى أنه على صورة، وأنه على هيئة، وأنه على كيفية لا يعلمها إلا هو سبحانه، وليست صورته كصورة آدم، فصورة آدم صورة مخلوق، وصورة الله تبارك صورة الخالق، فالله تعالى له صورة وآدم له صورة.
إذًا: الاتفاق بين آدم وبين الله تبارك وتعالى في الاسم، والمسمى يختلف؛ لأن الله تعالى واحد في صورته.
أي: لا يشبه في صورته أحدًا من خلقه، ولا أحدًا من خلقه يشبهه في الصورة، فالذات تختلف عن الذات، والصورة صفة لله عز وجل تختلف عن صورة المخلوق، فالنزول ثابت لله عز وجل، لكن لا نذهب فيه مذهب الذين لا يفهمون من النزول إلا ما يفهمونه من نزولهم هم، وإنما يقول: إن ربنا تبارك وتعالى ينزل نزولًا يليق بجلاله، فلو أني صعدت على هذا المنبر وجلست عليه لقال الناظر لي: إن فلانًا قد استوى على الكرسي.
أي: قعد وتمكن من الجلوس على الكرسي.
فلا نقول هذا في استواء المولى تبارك وتعالى، وإنما نقول: استوى حقيقة استواءً