الفارق الثاني: المعجزة والكرامة لا تظهر على فاسق قط، والفسق هو الخروج، وسمي الفاسق فاسقًا؛ لأنه خارج عن طاعة الله عز وجل، منتهك لحرمات الله تعالى، غير منقاد للأمر، مرتكب للنهي، والكرامة والمعجزة لا يمكن أن تكونا على يد فاسق، وأعدل الخلق هم الأنبياء والمرسلون، ولذلك خصهم الله تعالى بالمعجزات التي هي كرامات وزيادة، فالمعجزة والكرامة يستحيل أن تظهر على يد فاسق، والسحر لا يظهر إلا من فاسق، هذا فارق جوهري بين الكرامة والمعجزة من ناحية وبين السحر من ناحية، فالسحر لا يتعاطاه إلا الفساق، وربما الكفار، أما المعجزة والكرامة فيختلفان عن ذلك تمامًا، فلا يظهران على فاسق، فالنبي الذي تظهر المعجزات على يديه أفضل الناس نشأةً، ومولدًا، ومزية، وخلقًا، وخلقًا، وصدقًا، وأدبًا، وأمانة، وإشفاقًا، ورفقًا، وبعدًا عن الدناءات، والكذب، والتمويه، أما الساحر فعلى العكس من ذلك كله لا تجده في موضع إلا ممقوتًا، حقيرًا بين الناس، وأصحابه وأتباعه ومن كانوا على شاكلته لا تجدهم أبدًا إلا مبطلين، ملعونين، مشتومين على ألسنة الخلق، ولذلك فإن الحافظ ابن حجر يبين كما بين شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله أنه هناك أمارات وعلامات يعرف بها الأمر الخارق للعادة؛ لأنه يلتبس على العامة، فإذا مشى رجل على الماء قلنا لأول وهله: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، هذا رجل من أولياء الله الصالحين، وإذا طار رجل في الهواء قلنا: ما شاء الله لا قوة إلا بالله هذا رجل من الأولياء، ولا يلزم من ذلك أن يكون من أولياء الله، بل ربما يكون الذي طار في الهواء من أفسق الناس وأكفرهم، وربما يكون الذي مشى على الماء من أفجر الناس وأفسقهم، إذًا فما هو الضابط الذي يعرف به ما إذا كان هذا الأمر الخارق للعادة كرامة أو سحرًا؟ يقول ابن تيمية عليه رحمة الله: إذا رأيت الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا تغتر بذلك حتى تنظر إلى موقعه من الشرع، فإذا كان من أهل الطاعة والانقياد والاستسلام لله رب العالمين فإن الذي يجري على يديه كرامة، وإذا كان غير ذلك فاعلم أنه من أعمال السحر.
فالأول من أولياء الرحمن والثاني من أولياء الشيطان، وإن كان الفعل واحدًا، ولا يزال أهل ريف مصر وبالذات في هذه القرى والنجوع البعيدة عن حضارة العلم، وعن انتشار العلم وذيوعه، وانتشار عقيدة التوحيد إذا دفنوا ماجنًا، أو فاسقًا، ممن يسمى بشيخ التصوف، أو القطبي، أو الغوثي، نجد في جنائزهم صيحات وويلات، وتهليلات، كما أننا لا نسمع شيئًا، وإنما هي حكايات يلبسون بها، ويفسدون بها عقائد العامة، يقولون: القطب الفلاني أثر في حامليه حتى دكهم في الأرض دكًا، ونسمع أنه طار بنعشه في الهواء وما رأينا شيئًا من ذلك، وهذا كله كذب، هب أنه صدق وهب أن هذا حدث بالفعل لا يلزم منه أن الفاعل لذلك ولي، ولمَ لا نقول: إن الشيطان هو الذي فعل ذلك، حمل النعش وطار به في الهواء؟ كذلك يمتنع إساءة الظن حتى ننظر في عمل هذا الميت، أو في عمل الحي، فإذا كان صالحًا من أهل الصلاح والتقوى والالتزام الشرعي فهذه كرامة أجريت له بعد موته على يد ملائكة صالحين، وإذا كان عكس ذلك فهذه خارقة من خوارق العادة ومن باب السحر والشعوذة جرت على يد إبليس وأعوانه، فلا يجوز لنا أن نحكم لفلان أو على فلان حتى ننظر أين موقعه من الشرع، هذا ما نبه عليه الحافظ ابن حجر وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال ابن حجر رحمه الله: ينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه؛ فإن كان متمسكًا بالشريعة متجنبًا للموبقات المهلكات، والمعاصي الكبائر، فالذي يظهر على يده من الخوارق كرامة وإلا فهو سحر؛ لأنه ينشأ عن أحد أعوان الشياطين.
ويقول ابن تيمية عليه رحمة الله في السحرة والعرافين والكهان والمجتهدين في العلم والزهد والعبادة، أنهم لا علاقة لهم بالعلم، ولذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يدخل صوامع العباد ويضربهم على ذلك حتى يتعلموا كيف يعبدون الله تعالى، أما أن يدخل رجل لا علاقة له بالعلم الشرعي، ولا يدري متى تصح الصلاة ومتى لا تصح؟ متى يصح الصيام ومتى يفسد؟ وإذا سها في الصلاة ماذا يفعل؟ وهو لا يعرف شيئًا من ذلك، كان علي بن أبي طالب يضربه ويقول: تعلم أولًا ثم تزهد، ولذلك كثير من الزهاد والعباد بينهم وبين العلم بون شاسع.
وقد ذكر ابن الجوزي عليه رحمة الله في كتاب تلبيس إبليس في باب التلبيس على العباد والزهاد مخازي وفضائح، أذكر منها: أن عالمًا زار عابدًا وفي حين زيارته أتى العابد سائل -ولا علم للسائل بهذا العالم، فالناس اعتادوا أن يتوجهوا في قضاياهم إلى ذاك العابد- فقال: أيها العابد! إن الدجاجة وقعت في البئر، فماذا أصنع؟ هل هو باق على طهوريته أم قد تنجس؟ فقال العابد: ولم وقعت؟ قال: لأن البئر لم يكن مغطى.
قال: هلا غطيته، وقام العابد إلى السائل يضربه.
تصور أن يكون هذا جو