ابن الجوزي -عليه رحمة الله- أشعري أصيل، وتجد له أحيانًا أقوالًا في غاية الروعة والجمال في مذهب أهل السنة والجماعة، ونبذ الابتداع، وتضليل المبتدعة، والأمر بلزوم وسلوك سبيل السلف، ولكن القضية كانت عند ابن الجوزي غير منضبطة، فهو يأمر باتباع السلف ويخالفهم، فقد قال في قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:27] : قال المفسرون: معناه يبقى ربك، ففسر الوجه بالذات.
وكذا قال في قوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52] أي: يريدونه هو.
وقال في قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] : إلا هو، وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى أن الوجه صفة تختص باسم زائد على الذات.
وهذا الكلام في غاية الخطورة، فهو يقول: وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم.
والذين أنكر عليهم ابن الجوزي هم السلف، فقد ذهبوا إلى إثبات أن لله تعالى وجهًا، وهو صفة زائدة على الذات.
وهذا هو معتقدنا نحن، فنحن نقول: ونعتقد أن لله تبارك وتعالى وجهًا يختلف عن الذات؛ لأننا لو قلنا: إن الوجه هو الذات فستكون الذات من غير وجه، ولكن الوجه صفة زائدة للذات، فهو سبحانه ذات متصفة بالوجه.
وابن الجوزي يقول: و (قد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى إثبات أن لله تعالى وجهًا) وليس له دليل إلا ما عرفه من الحسيات، من أن ذلك يوجب التبعيض، وأنا إذا أثبتنا أن لله وجهًا فهذا يوجب التبعيض.
قال: ولو كان كما قالوا -أي: ولو كان الأمر كما قلنا نحن- كان المعنى أن ذاته تهلك إلا وجهه.
ويستدل بقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] .
قال ابن حامد: أثبتنا لله وجهًا ولا يجوز إثبات رأس.
يعني: إذا أثبتنا أن لله وجهًا لا يلزم هذا أن نثبت أن لله رأسًا؛ لأنه لم يرد في النصوص، فلو قلت: إثبات الوجه يلزم منه إثبات الرأس؛ لأن وجهي في رأسي، فكيف أثبت وجهًا بلا رأس؟ فسأقول لك: هذا الكلام في حقي أنا وأنت، وأما في حق الله عز وجل فلا؛ فلو قلت: يلزم من إثبات الوجه إثبات الرأس، فسأقول لك: أنت وضعت صورة لله عز وجل في رأسك وقلبك وجعلت الله كنفسك، وجعلت الذات العلية كذاتك أنت السفلية.
ولا نثبت لله وجهًا بلا رأس، فهذا أيضًا خطأ، بل نثبت لله وجهًا لأنه أثبته، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه، فلا نثبت الرأس، ولا مانع أن يكون الله اتصف به، ولكنه لم يخبرنا، ونحن لا نثبت لله شيئًا إلا إذا كان ثابتًا.
يقول: ولقد اقشعر بدني من جراءته على ما ذكر، فما أعوزه في التشبيه غير الرأس.
فـ ابن الجوزي ينقم على ابن حامد الذي يقول: إننا نثبت الوجه لكن لا نثبت الرأس، قال: لأنه يلزم من إثبات الوجه التشبيه بين الخالق والمخلوق.