ولعل الواحد منا يتساءل لماذا يا ترى اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون دار هذا الفتى مقرًا رئيسيًا لعملية التكوين والتربية في هذه المرحلة الحساسة جدًا من عمر الدعوة، ولكن حينما نعلم الأسباب سندرك حكمة النبي البالغة وحنكته العميقة في التسيير والأخذ بالأسباب المادية إلى جانب التوكل على الله لنجاح الدعوة.
فقد كان اختيار دار الأرقم لعدة أسباب منها:
1 -أن الأرقم لم يكن معروفًا بإسلامه، فما كان يخطر ببال أحد أن يتم لقاء محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بداره.
2 -أن الأرقم بن الأرقم رضي الله عنه من بني مخزوم, وقبيلة بني مخزوم هي التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم. فلو كان الأرقم معروفا بإسلامه فلا يخطر في البال أن يكون اللقاء في داره؛ لأن هذا يعني أنه يتم في قلب صفوف العدو.
3 -أن الأرقم بن أبي الأرقم كان فتى عند إسلامه، فلقد كان في حدود السادسة عشرة من عمره، فهل يشك أحد من أعداء الدعوة أن يتم لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في دار فتى مجهول أمام الجمع الغفير من أصحابه الكبار؟.
وهنا أود أن أركز على أهمية الجانب الأمني في مرحلة الدعوة السرية حتى بحضور النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم، وفي هذا إشارة وتأكيد على وجوب أخذ الحيطة والحذر في تحركاتنا والاستعانة على قضاء الحوائج بالسر والكتمان واعتبار ذلك جزء من مواد التربية والتكوين الواجب الالتزام بها وتنفيذها في كل حال. وهل قصم ظهور المسلمين المؤمنين غير تلك الهفوات والثغرات الأمنية في كل زمان ومكان؟
لذلك نجدد الدعوة إلى التحلي بالحذر والتركيز على إدخاله في مراحل التربية كمادة أساسية يصحبها الفرد في كل حركة يخطوها، ومن باب أولى حينما يكون التجمع في مرحلة الضعف والتكوين الأولى، لأنها مرحلة إعداد وبناء القاعدة الصلبة التي ستحمل البناء بعدئذ، ومن الطبيعي أن يكون الحذر وسيلة وحضن لحماية هذه القاعدة وإعطائها الوقت المناسب للتكوين والنضج بعيدًا عن مخاطر الأعداء.