الحمد لله رب العالمين، منزل الكتاب وهازم الأحزاب، معز المؤمنين ومذل الكافرين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد
مواصلة لما بدأناه من دروس ووقفات تربوية على محطات سيرة نبينا العطرة، نقف في هذا الدرس الخامس على مرحلة مهمة جدًا من عمر الدعوة، ويتعلق الأمر بالثلاث سنوات الأولى، وهي فترة يمكننا تسميتها بفترة تأسيس النواة للقاعدة الصلبة، ذلك أن من التحق بالإسلام في هذه الفترة المبكرة بقي شامخًا وثابتًا على دينه، وكان هذا الجمع المبارك بمثابة الأعمدة والركائز الأساسية لدولة الإسلام القادمة، فلا ريب أن نخصص لها درسًا مستقلًا نسلط فيه الأضواء على أهم المحطات التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم لينجح في تكوين هذه القاعدة وإعدادها الإعداد اللازم والمطلوب.
دعوة الأقربين
لاشك أن الداعية ينبغي أن يبدأ بالأقرب فالأقرب، بدءًا من أهله وأولاده لكي يكون المحيط الأقرب له مساعدًا وسندًا على أداء رسالته، ومنه ينطلق إلى المحيط الخارجي لكي يؤدي دوره بهمة عالية وراحة بال وقلب مطمئن.
فكان الخطاب القرآني في هذا الاتجاه حيث أنزل الله تعالى أمره إلى رسوله صلى الله عليه وسلم {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] , لما سيكون في ذلك من منعة وقوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حال استجابت عشيرته لدعوته، ذلك أن قوة الإيمان ستعزز قوة الرابطة والقرابة الموجودة أصلًا، ومن شأن ذلك أن يعطي دفعة قوية للدعوة وهي ما تزال في مهدها أو في بدايتها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى لابد للداعية أن يلقي الحجة على أقرب الناس إليه حتى لا يبقى هناك ثمة عذر لهم في حال رفضهم للدعوة وعدم نصرتهم للداعية.