من خلال ما سبق يمكننا الوقوف على بعض الدروس والعبر المهمة في هذه الفترة الزمنية من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
أولًا: سنة الابتلاء المتمثلة في الإيذاء الجسدي والمعنوي للمسلمين سنة ثابتة وماضية في الدعوات على مر العصور، ولا يمكن لأحد أن يدّعي عكس ذلك فيقول بأن دعوته لم تتعرض لأذى مخالفيه لأنه كان كيسًا فطنًا وتصرف مع خصومه بحكمة وروية فاستطاع أن يتفادى هذه المحن ولم يتعرض لأي أذى مهما كان نوعه.
فالدعوات كلها من لدن آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة تتميز بل تتشرف أن تلقى هذا الأذى على أيدي خصومها ومخالفيها كعنوان ودليل على صدقها وبعدها عن الشبهات، بخلاف من يدّعي العكس فإنه يكون عرضة للشبهة، ويكون ذلك دليلًا على انحرافه عن النهج القويم إذ لا يمكن أن يلتقي الحق والباطل ولا أن يتوافقا أبدًا، فالتدافع لابد منه وفي بداية الأمر غالبًا ما ينال أهل الحق أذى كثيرًا وابتلاء طويلًا من أهل الباطل ثم يكون صبر وتحمل واستقامة على الطريق ثم يأتي الفتح والتمكين بعد ذلك كثمرة طبيعية ربانية على هذا التحمل.
وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله حينما سألوه: أيبتلى المرء أولًا أم يمكَّن، فقال: لا يمكن المرء حتى يُبتلى. فهذه كلمة جامعة لما سبق قوله في مسألة الابتلاء والتعذيب الذي يطال المؤمنين قبل تمكينهم في الأرض وظهور دينهم على كل الأديان.
ثانيًا: أن الكفار وأعداء الدين لا يفرقون بين سيد أو عبد ولا بين غني أو فقير ما دام أنه يخالفهم في العقيدة و يكفر بدينهم وقوانينهم ولو كان من أقرب الأقربين إليهم، فقد رأينا أن الأب يعذب ابنه والأخ أخاه والأم ابنها والعشيرة أبناءها بسبب تركهم لدين آبائهم واتباع دين الإسلام الجديد والمخالف لأعرافهم، بينما يرضون عمن يطيعهم ويتبع ملتهم ولو كان من أبعد الأبعدين.