وقد رد اللّه عليهم في وقتها بما يكذب هذا العذر الموهوم. فمن الذي وهبهم الأمن؟ ومن الذي جعل لهم البيت الحرام؟ ومن الذي جعل القلوب تهوى إليهم تحمل من ثمرات الأرض جميعا؟ تتجمع في الحرم من كل أرض، وقد تفرقت في مواطنها ومواسمها الكثيرة: «أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا؟» ..فما بالهم يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هدى اللّه، واللّه هو الذي مكن لهم هذا الحرم الآمن منذ أيام أبيهم إبراهيم؟ أفمن أمنهم وهم عصاة، يدع الناس يتخطفونهم وهم تقاة؟! «وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ..
لا يعلمون أين يكون الأمن وأين تكون المخافة. ولا يعلمون أن مرد الأمر كله للّه [1] .
وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ ؛ أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: قُلْتُ: أَسْأَلُ عَنْ حَدِيثٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ، فَأَكُونُ أَنَا الَّذِي أَسْمَعُهُ مِنْهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَتَعْرِفُنِي ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنْتَ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ، وَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ، قُلْتُ: حَدَّثَنِي، قَالَ: بُعِثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَكَرِهْتُهُ أَشَدَّ مَا كَرِهْتُ شَيْئًا قَطُّ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَنْزِلَ أَقْصَى أَهْلِ الْعَرَبِ مِمَّا يَلِي الرُّومَ، فَكَرِهْتُ مَكَانِي أَشَدَّ مِمَّا كَرِهْتُ مَكَانِي الأَوَّلَ، فَقُلْتُ: لآَتِيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لاَ يَضُرُّنِي، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لاَ يَخْفَى عَلَيَّ.
فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَاسْتَشْرَفَنِي النَّاسُ، وَقَالُوا: جَاءَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: يَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، قُلْتُ: إِنِّي مِنْ أَهْلِ دِينٍ، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْك، قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْك ،قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَسْتَ رَكُوسِيًّا ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَوَلَسْتَ تَرْأَسُ قَوْمَك ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَوَلَسْتَ تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: ذَلِكَ لاَ يَحِلُّ لَك فِي دِينِكَ، قَالَ: فَتَوَاضَعْتُ مِنْ نَفْسِي.
قَالَ: يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإِنِّي مَا أَظُنُّ، أَوْ أَحْسَبُ أَنَّهُ يَمْنَعُك مِنْ أَنْ تُسْلِمَ إِلاَّ خَصَاصَةُ مَنْ تَرَى حوْلِي، وَأَنَّك تَرَى النَّاسَ عَلَيْنَا إِلْبًا وَاحِدًا، وَيَدًا وَاحِدَةً، فَهَلْ أَتَيْتَ
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 2703)