وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِىَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِى دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِى اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ » [1] .
-هذا لا يعني أنه ليس للحفظ قيمة، ولكن المقصد أن الحفظ ليس مقصودا لذاته وإنما هو وسيلة لغيره.وإننا لنجد مبالغة في تكريم حفاظ القرآن الكريم - على ما في ذلك من فضل- بكثير من الجوائز القيمة، ولكن لم يرصد مثل هذه الجوائز للنابغين في العلوم الشرعية المختلفة، مع أن حاجة الأمة إلى هؤلاء أكثر ونفعهم أعظم وأغزر .
-وذلك من خلال الغوص في مقاصد الشريعة، ومعرفة أسرارها وعللها، وربط بعضها ببعض، وردّ فروعها إلى أصولها، وجزئياتها إلى كلياتها، وعدم الاكتفاء بالوقوف عند ظواهرها، والجمود على حرفية نصوصها.وكثيرًا ما أدت هذه الحرفية الظاهرية إلى تحجير ما وسَّع الله - تعالى -، وتعسير ما يسّر الشرع وتجميد ما من شأنه أن يتطور ،وتقييد ما من شأنه أن يتجدد ويتحرر ! .
د- أولوية الاجتهاد على التقليد ( في الأمور المستجدة والطارئة ) .
-وهذا لا يعني نفي تقليد الأئمة - رحمهم الله تعالى -، وإنما مراعاة تغير زماننا عن زمانهم وحاجاتنا عن حاجاتهم، ومعارفنا عن معارفهم.وهم أنفسهم ربما لو تأخر الزمن حتى رأوا ما رأينا وعاشوا ما عشنا - وهم أهل الاجتهاد والنظر - لغيروا كثيرًا من فتاواهم واجتهاداتهم، كيف وقد غير أصحابهم من بعدهم كثيرًا منها لاختلاف العصر والزمان رغم قرب ما بين أولئك وهؤلاء؟ بل كيف وقد غير الأئمة كثيرًا من أقوالهم في حياتهم، تبعًا لتغير اجتهادهم، بتأثير السن أوالنضج أوالزمان أوالمكان ؟
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (79 )
الأجادب: جمع أجدب وأجدب جمع جدب وهى الأرض التى لا تنبت كلأ
القيعان: جمع القاع ومعناها هنا الأرض التى لا نبات فيها