فَتَبِعَه على ذلك صحابته الأكرمون، وخلفاؤه الراشدون، فكانوا هادين مهديين، تابعوا المسيرة، وحملوا الأمانة ... وجاء مِن بَعْدِهم التابعون لهم بإحسان، فاقتفوا آثارهم وقاموا بوظيفتهم حق القيام ... .
ثم تبعهم في ذلك أجيال وأجيال، نشروا هذا الإسلام، وبلغوا فيه كل مَبْلَغ، وتضافرت على حمل هذه الرسالة في تلك العصور جميعُ الجهود الفردية والجماعية، حيث كان الفرد المسلم يرى في الدعوة إلى الله حياتَه ومناط سعادته في الدنيا والآخرة، فلا يصرفه عنها صارف، ولا يُثْنيه عن القيام بواجبها عقبة من العقبات، فيبذل في سبيل دعوته كل شيء.
كما كانت الدولة المسلمة ترى الدعوة إلى الله أولى وظائفها وأهم واجباتها، بل ترى الدعوة سِرَّ وجودها وقيامها، فكانت للدعوة تُخَطِّط، ولصالحها تتحرك داخليا وخارجيا، تحفظ الأحكام، وتطبق النظام، وتقيم الحدود، وترسل الدعاة، وتستقبل الوفود، وتسد الثغور، وتُنْفِذ الجيوش، وتعد العدة ...
كل هذا جعل المجتمع الإسلامي بكل وحداته ومؤسساته مجتمعا دعويا يعمل لصالح هذه الدعوة، ويحقق ما وَصَفَه الله به بقوله: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41]