يجتمع بهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم ليعلمهم دينَهم ويزكيهم (1) ، وكما كان يفعل إذا أسلم شخص عنده، فيقول لأصحابه:"فَقِّهُوا أخاكم في دينه، وعَلِّمُوه القرآن ..." (2) .
ولو أمعنا النظر في الآيات نفسها التي استدل بها المشتبه، لرأينا معظمها يُصَرّح بهذه الحقيقة، ويعلق حصر عمل الرسول بالبلاغ بإعراض الناس وتَوَلِّيْهم، كما جاء في قوله تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} [آل عمران: 20] وقوله {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92] وقوله {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48] .
وبهذا تجتمع دلالة هذه الآيات القرآنية مع دلالة الآيات الأخرى التي نصت على أعمال أخرى للرسول الكريم من تلاوة لآيات الله، وتزكية وتعليم للكتاب والحكمة، كما تنسجم مع الواقع العملي لدعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم في حياته، وواقع دعوة صحابته وأتباعه من بعده.
ولقد أسهبتُ في دفع هذه الشبهة، وحرصتُ على توضيح عمل الأنبياء - عليهم الثلاة والسلام - والدعاة من بعدهم، نظرًا لما يترتب على مثلها من مواقف خاطئة ونظرات قاصرة لعمل الدعوة في العصر الحاضر. فقد قَصَّر بعض إخواننا الدعاة عملهم على جانبٍ حتى عُرِفُوا به، ظانِّين
(1) راجع"السيرة النبوية"لابن هشام (1/ 253) في الحاشية.
(2) راجع"البداية والنهاية" (3/ 313) و"حياة الصحابة" (1/ 193) .