فهرس الكتاب

الصفحة 956 من 1922

هنا تكمن عظمة الأنبياء ما في مسافة أبدًا بين أقوالهم وأفعالهم، ما اكتشف أصحابهم أنهم يقولون شيئًا ويفعلون شيئًا آخر، كان يمارس بالفعل كل ما كان يدعو إليه بالقول، فالمرء مثلًا لن يكون عفوًا (الكلام دقيق) إلا أن يكون له عدو يلقى منه أشد الإساءة ثم تدور الدائرة على هذا العدو فيقع في قبضته ويصبح تحت رحمته ثم يملك القدرة عليه، وأن ينتقم منه ثم يعفو عنه، وقد خرت جزيرة العرب صريعة تحت قدميه وأصبحت مكة قلعة العدو تحت رحمته، فلو شاء لقطع رؤوس القوم الذين كانوا بالأمس ألدّ أعدائه الذين اتخذوه هزوًا وأمعنوا في اضطهاده والاستخفاف به ولو أنه عاقبهم بذنبه كان محقًا، ولم يكن ملومًا ولم تظهر فضيلة العفو قط بصورتها الكاملة في تاريخ أي دين من الأديان حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولولاه لظلت هذه الفضيلة معطلة إلى الأبد، هو سيد الخلق وحبيب الحق وسيد ولد آدم، وقد أقسم الله بعمره الثمين.

2 -عفو النبي عليه الصلاة والسلام عن أهل الطائف:

عفو آخر له صلى الله عليه وسلم، تصور إنسانًا سافر إلى بلد مشيًا على قدميه ثمانون كيلو مترًا إلى الطائف، وفي الطائف دعاهم إلى الله، كذبوه وسخروا منه، واستهزؤوا به، وقال له أحدهم: لو أنك صادق فيما تقول لمزقت أثواب الكعبة. ثم أغروا صبيانهم ونالوه بالأذى حتى سال الدم من قدمه الشريف، وهو يقول: إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي. الآن انظروا إلى عفوه أرسل الله له ملك الجبال، وقال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، كلام دقيق يعني مكنه الله أن ينتقم منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت