في عصر يوسد الأمر إلى غير أهله، في عصر تعد الفضائل مغرمًا، والنقائص مغنمًا، في هذا العصر لابدّ من أن تجد إنسانًا انتصر على بشريته، واستقام على أمر ربه وركل الدنيا بقدمه.
من تواضع لله رفعه و من تكبر وضعه:
أيها الأخوة، لمَ لا يكون أحدنا شيئًا مذكورًا؟ لمَ لا يكون أحدنا بطلًا؟ لمَ لا ينتصر على بشريته؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان بشرًا لكنه كان سيد البشر، كان بشرًا لكنه أحبّ الله حبًا تفوق بهذا الحب، حتى صار سيد الأنبياء والمرسلين.
إذًا العلاقة عكسية، كلما تواضعت لله رفعك، وكلما تكبرت وضعك، كلما قلت الله تولاك الله، فإذا قلت أنا تخلى عنك.
الصحابة الكرام في بدر قالوا الله، افتقروا إلى الله، تذللوا إلى الله فانتصروا.
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}
(سورة آل عمران الآية: 123)
أما في حنين اعتدوا بقوتهم، اعتدوا بعددهم، فقال قائلهم: (وهم الصحابة الكرام وفيهم سيد الأنام) :
(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ) )
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]
فلم ينتصروا، قال تعالى:
{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}
(سورة التوبة)
من هان أمر الله عليه هان على الله:
إخوانا الكرام، المسلمون في أشد الحاجة إلى هذا الدرس، تقول الله يتولاك الله، تقول أنا بخبرتي، بقوتي، بجماعتي، بأسرتي، بمالي، بسطوتي، بسلطتي، بمنصبي، تقول أنا يتخلى الله عنك، إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( إن الله تبارك وتعالى اختارني واختار بي أصحابا ) )
[أخرجه الحاكم عن عويم بن ساعدة]
هو قمة البشر وأصحابه نخبة البشر، ومع ذلك في أُحد لم ينتصروا، لأنهم عصوا، فلو انتصروا لسقطت طاعة رسول الله، وفي حنين لم ينتصروا لأنهم وقعوا في شرك خفي.