لأن الدنيا في الأصل دار ابتلاء، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل دار الآخرة دار عقبة، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
إذًا: حينما تقول: اللهم ارزقني فقد دعوت الله عز وجل (المسعر) بمعنى هذا الاسم، وهو الرزق، والإنسان حريص على صحته، وحريص على رزقه، والله عز وجل هو الرزاق.
وكنت أقول دائمًا: تفاحة على غصن في شجرة في بستان، هذه لك، ولكن طريقة انتقالها إليك باختيارك، يمكن أن تأكلها ضيافة، ويمكن أن تأكلها هدية، ويمكن أن تأكلها شراء، أو تهدى إليك، أو أن تأكلها ضيافة، ويمكن ـ لا سمح الله ولا قدر ـ أن يأكلها بعض الناس سرقة، ويمكن أن يأكلها بعض الناس تسولًا، فهي إما تسول، أو سرقة، أو شراء، أو ضيافة، وهكذا.
إذًا: طريقة انتقال الرزق إليك باختيارك، أما هو فلك، لذلك:
(( إنَّ رُوح القُدسِ نَفَثَ في رُوعي إِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ) )
[أخرجه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله]
وفي زيادة:
(( واستجملوا مهنكم ) )
بين الكسب والرزق:
اختر مهنة شريفة، الرزق هو هُو، ودائمًا ولا زلنا في موضوع الرزق، فقد فرق العلماء بين الكسب وبين الرزق، الرزق ما انتفعت به فقط، فالثوب الذي تلبسه، والطعام الذي تأكله، والسرير الذي تنام عليه، والثياب التي تلبسها هي رزقك، أما حجمك المالي فهو كسبك، الكسب مال جمعته، ولم تنتفع به، بل سئُلت عنه يوم القيامة، من أين اكتسبته؟ وفيمَ أنفقته؟
فالفرق واضح جدًا بين الرزق وبين الكسب، الذي ينتفع به فقط هو رزقه، والذي جمعه هو كسبه، الذي جمعه هو محاسب عليه، من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ من هنا ورد في بعض الآثار: