بالدخول في الصورة الكاملة من بدايتها إلى نهايتها، ولذلك تنشأ أحكام الجهل، وتعليقات الضلال ضد الأفعال المعاصرة حتى لو كان معناها هو عين ما وقع من أفعال وقعت للأنبياء أو للمقتدي بهم من المهتدين، فإنهم يرون أمامهم بشرًا أرضيين، وهم معاصرون لهم، والمعاصرة حرمان كما هو معلوم، تمنع الانصاف وتنشئ الخصومة والمنافسة والحسد، ثم هم يبحثون عن الصورة الكاملة التي يعلمونها فلا يرون فيها إلا جزءًا يسيرًا، فمخطؤون هؤلاء الفتيو الذين هربوا بدينهم من الفتنة لو وقعوا في وسط الطريق في حادثة فماتوا، أو قتلوا، فهم لعدم موتهم ثلاثمئة عام وازدادوا تسعًا ثم بعثوا لا يستحقون الادعاء أنهم على سنن هؤلاء الفتنة من أهل الكهف.
-بيان انحراف الاجتمالات العقلية في المسائل الشرعية، فإن فتح هذا الباب يؤدي إلى ابطال أي فعل حتى لو كان صادرًا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والاحتمالات العقلية في هذا الباب لها صور كثيرة أهمها أن كل فعل لابدّ فيه من جانب غير مقصود للفاعل، وهو جانب الضرر الذي يلحق الفاعل نفسه، أو يلحق من يلوذ به، ذلك لأن الحسن المطلق لا وجود له في عالم السنن الأرضية، وإنما الحكم للأغلب ان كانت المفاسد والمصالح في مرتبة واحدة، أما إن كانت المفاسد من طبقات متعددة فلا ينظر الا إلى الأعلى منها، فإن كانت المفسدة مالية وكذا المصلحة مالية فحينئذ يقدم الأغلب، لكن المصالح ليست على مرتبة واحدة، فمن المعلوم بالضرورة أن مصلحة الدين مقدمة على مصالح البدن والمال والنفس، فإن تعارضت مصلحة الدين على مصلحة البدن والمال والنفس فلا ينظر إلا للأعلى وهي مصلحة الدين، لكن الاحتمالات العقلية التي نهى عنها الأقدمون هي عين ما يفعله المحللون اليوم، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، بل إن معيار الكثير من المسلمين اليوم في رؤية الوقائع وتقييمها هو عين ما يقوله الآخرون، ويزيدون انحرافًا أنهم يلبسون هذه الاحتمالات شرعية دينية، فالقواعد الكلية جاهزة، وإن لم توجد في ذهن المرء بحث عن فرعية تعينه، والعمومات باب واسع لادخال ما يحب المرء فيها وما يخرج، ولذلك فلا عجب أن يلتقي مفتون وفقهاء ومفكرون مسلمون مع كفرة علمانيين لا يدينون بدين الحق على قاعدة واحدة في المطالب حين يزعمون الاتفاق على مبادئ عامة يدعون إليها، كالعدل والحرية والمساواة، وهي كلمات لا يوجد في الأرض من يكرهها، لكن الخلاف بين الأنبياء وغيرهم فيها هو المدلول الذي تحتويه، والاقتراب ليس دليل صحة ولا دليل توافق محمود، لأن واقع دعوة العبودية لله تختلف في تكييفها وفي وضعها للأشياء حتى لو كانت تلتقي مع الظاهر فيها مع الآخر المعاند لطريق العبودية، ولهذا الانحراف الذي تماهى فيه كبار من المفتين والفقهاء والمفكرين مع العلمانيين صار رصد المفسدة والمصلحة على صعيد واحد وفي مقياس واحد.
اخراج الحادثة القرآنية المهدية من التاريخ على معنى الاقتداء الصحيح إلى زماننا يحقق افساد هذه الطرق في التحليل والتقويم والحكم، ويبطل هذه الاحتمالات، وتبين للمنصف المهتدي بهدي القرآن أن ما يقوله هؤلاء عن حوادث زمانهم إنما هو باطل من القول، ويظهر بوضوح أن جرأتهم على هذه الأحداث