قال ابن كثير:- أخرج ابن اسحق عن أسماء رضي الله عنها قالت:- لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر رضي الله عنه، احتمل أبو بكر ماله كله معه -خمسة آلاف درهم، أو ستة آلاف درهم- فانطلق بها معه.
قالت:- فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه.
قالت: قلت:- كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا.
قالت:- وأخذت أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده، فقلت:- يا أبت ضع يدك على هذا المال.
قالت: فوضع يده عليه، فقال:- لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، لكن -والله- ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن اسكن الشيخ بذلك.
قال الكاندهلوي:- وأخرجه أحمد والطبراني بنحوه. قال الهيثمي:- رجال أحمد رجال الصحيح غير ابن اسحق وقد صرح بالسماع.
قال الفقهاء الجدد:-
في هذا الخبر معنى لا نقول به، ولا يكون منا إلا العيب على فاعله كما عبنا على من هاجر وترك أهله وراءه من غير حماية ومانع، فهذا المهاجر أو المجاهد الذي ينفق كل ماله في الهجرة والجهاد ليس مهتديًا ولا متأسيًا بالشرع، فإن المال مهم في زماننا أكثر من السابق، ولذلك فإنا نراعي في فتوانا للناس عدم التهاون ولا تضييعه، بل نرغب في تكثيره كما قلنا في جواز الربا في دار الحرب لما في ذلك من منفعة لأموال المسلمين، فكيف نقبل هذا الخبر أو نفتي بمعناه أو قريبًا منه، ولذلك من خاف الضرر على ماله إن قدّم بعضه للمجاهدين أن يمتنع عن هذا، وأن يحبسه عنهم حتى لا يضر ماله فيفقده، فهذا هو الحال اليوم، فما أن يعلم عن صاحب مال أنه قدمه للمجاهدين أو للمهاجرين أو لعائلاتهم حتى يضر في ماله، ولذلك فنحن نفتي المسلمين بأن يراعوا مصالح أموالهم،