وربما دخلَ فيها بعدَ ذلكَ فعلُ المندوباتِ ، وتركُ المكروهاتِ ، وهيَ أعْلى
درجاتِ التَّقوى ، قالَ اللَّهُ تعالى: (الم(1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) .
وقال تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(177) .
قال مُعُاذُ بنُ جبلٍ: يُنادَى يومَ القيامةِ: أين المتقونَ ؟ فيقومون في كَنَفٍ من
الرحمنِ لا يحتجِبُ منهُم ولا يستترُ ، قالُوا لَهُ: مَن المتَّقونَ ؟
قال: قومٌ اتَّقوا الشِّركَ وعبادةَ الأوثانِ ، وأخلصُوا للَّهِ بالعبادةِ.
وقالَ ابنٍ عباسٍ: المتَقونَ الذين يحْذَرون من اللَهِ عقوبتَه في تركِ ما يعرِفُون
من الهُدى ، ويَرجونَ رحمته في التصديقِ بما جاء به.
وقال الحسنُ: المتقونَ اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهِم ، وأدَوا ما افْتُرِص عليهم.
وقال عُمرُ بنُ عبد العزيزِ: ليسَ تقوى اللَهِ بصيامِ النهارِ ، ولا بصيامِ الليلِ.
والتخليطِ فيما بيْنَ ذلكَ ، ولكن تقوى اللَّهِ تركُ ما حرَّم اللَّهُ ، وأداءُ ما افترضَ اللَّه ، فمن رُزِقَ بعدَ ذلك خيرًا ، فهو خيرٌ إلى خيرٍ.