فهرس الكتاب

الصفحة 957 من 4314

و إن فسر بأن اثبتوا على الإيمان الذي تلبستم به كان المراد من الإيمان ثم الكفر وهكذا هو الردة بعد الردة المعروفة.

وإن فسر بأن المراد دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بالله ورسوله كان المراد بالإيمان ثم الكفر وهكذا الإيمان بموسى ثم الكفر به بعبادة العجل ثم الإيمان بعزير أو بعيسى ثم الكفر به ثم الازدياد فيه بالكفر بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وما جاء به من عند ربه ، كما قيل.

وإن فسر بأن ابسطوا إجمال إيمانكم على تفاصيل الحقائق كما استظهرناه كان قوله"إن الذين ءامنوا ثم كفروا"، تعليلا منطبقا على حال المنافقين المذكورين فيما بعد ، المفسرين بقوله"الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين"فإن من اتصل بالكفار منفصلا عن مجتمع المؤمنين لا يخلو عن الحضور في محاضرهم والاستيناس بهم ، والشركة في محاوراتهم ، والتصديق لبعض ما يتذاكرونه من الكلام الذي لا يرتضيه الله سبحانه ، وينسبونه إلى الدين وأوليائه من المطاعن والمساوىء ويستهزءون ويسخرون به.

فهو كلما لقي المؤمنين واشترك معهم في شيء من شعائر الدين آمن به ، وكلما لقي الكفار وأمضى بعض ما يتقولونه كفر ، فلا يزال يؤمن زمانا ويكفر زمانا حتى إذا استحكم فيه هذه السجية كان ذلك منه ازديادا في الكفر والله أعلم.

وإذ كان مبتلى باختلاف الحال وعدم استقراره فلا توبة له لأنه غير ثابت على حال الندامة لو ندم على ما فعله ، إلا أن يتوب ويستقر على توبته استقرارا لا يزلزله اختلاف الأحوال ، ولا تحركه عواصف الأهواء ، ولذا قيد الله سبحانه التوبة المقبولة من مثل هذا المنافق بقيود لا تبقي مجالا للتغير والتحول فقال في الاستثناء الآتي:"إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله الآية."

قوله تعالى:"بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون"إلخ تهديد للمنافقين ، وقد وصفهم بموالاة الكافرين دون المؤمنين ، وهذا وصف أعم مصداقا من المنافقين الذين لم يؤمن قلوبهم ، وإنما يتظاهرون بالإيمان فإن طائفة من المؤمنين لا يزالون مبتلين بموالاة الكفار ، والانقطاع عن جماعة المؤمنين ، والاتصال بهم باطنا واتخاذ الوليجة منهم حتى في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وهذا يؤيد بعض التأييد أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين طائفة من المؤمنين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ويؤيده ظاهر قوله في الآية اللاحقة"و قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم إلى قوله - إنكم إذا مثلهم"فإن ذلك تقرير لتهديد المنافقين ، والخطاب فيه للمؤمنين ، ويؤيده أيضا ما سيصف تعالى حالهم في نفاقهم بقوله"و لا يذكرون الله إلا قليلا"فأثبت لهم شيئا من ذكر الله تعالى ، وهو بعيد الانطباق على المنافقين الذين لم يؤمنوا بقلوبهم قط.

قوله تعالى:"أ يبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا"استفهام إنكاري ثم جواب بما يقرر الإنكار فإن العزة من فروع الملك ، والملك لله وحده ، قال تعالى"قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء": آل عمران: 26.

قوله تعالى:"و قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم - إلى قوله - مثلهم"يريد ما نزله في سورة الأنعام:"و إذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين: الأنعام: 68 فإن سورة الأنعام مكية ، وسورة النساء مدنية."

ويستفاد من إشارة الآية إلى آية الأنعام أن بعض الخطابات القرآنية وجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة ، والمراد بها ما يعم الأمة.

وقوله"إنكم إذا مثلهم تعليل للنهي أي بما نهيناكم لأنكم إذا قعدتم معهم - والحال هذه - تكونون مثلهم ، وقوله"إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم". قوله تعالى:"الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله"، التربص: الانتظار."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت