فهرس الكتاب

الصفحة 932 من 4314

قوله تعالى:"و استغفر الله إن الله كان غفورا رحيما"الظاهر أن الاستغفار هاهنا هو أن يطلب من الله سبحانه الستر على ما في طبع الإنسان من إمكان هضم الحقوق والميل إلى الهوى ومغفرة ذلك ، وقد مر مرارا أن العفو والمغفرة يستعملان في كلامه تعالى في شئون مختلفة يجمعها جامع الذنب ، وهو التباعد من الحق بوجه.

فالمعنى - والله أعلم -: ولا تكن للخائنين خصيما ولا تمل إليهم ، واطلب من الله سبحانه أن يوفقك لذلك ويستر على نفسك أن تميل إلى الدفاع عن خيانتهم ويتسلط عليك هوى النفس.

والدليل على إرادة ذلك ما في ذيل الآيات"الكريمة ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء"فإن الآية تنص على أنهم لا يضرون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن بذلوا غاية جهدهم في تحريك عواطفه إلى إيثار الباطل وإظهاره على الحق فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمن إلهي من الضرر ، والله يعصمه فهو لا يجور في حكمه ولا يميل إلى الجور ، ولا يتبع الهوى ، ومن الجور والميل إلى الهوى المذموم أن يفرق في حكمه بين قوي وضعيف ، أو صديق وعدو ، أو مؤمن وكافر ذمي ، أو قريب وبعيد ، فأمره بأن يستغفر ليس لصدور ذنب ذي وبال وتبعة منه ، ولا لإشرافه على ما لا يحمد منه بل ليسأل من الله أن يظهره على هوى النفس ، ولا ريب في حاجته في ذلك إلى ربه وعدم استغنائه عنه وإن كان على عصمة ، فإن لله سبحانه أن يفعل ما يشاء.

وهذه العصمة مدار عملها ما يعد طاعة ومعصية ، وما يحمد أو يذم عليه من الأعمال لا ما هو الواقع الخارجي ، وبعبارة أخرى الآيات تدل على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمن من اتباع الهوى ، والميل إلى الباطل ، وأما إن الذي يحكم ويقضي به بما شرعه من القواعد وقوانين القضاء الظاهرية كقوله"البينة على المدعي واليمين على من أنكر"ونحو ذلك يصادف دائما ما هو الحق في الواقع فينتج دائما غلبة المحق ، ومغلوبية المبطل في دعواه ، فالآيات لا تدل على ذلك أصلا ، ولا أن القوانين الظاهرية في استطاعتها أن تهدي إلى ذلك قطعا فإنها أمارات مميزة بين الحق والباطل غالبا لا دائما ، ولا معنى لاستلزام الغالب الدائم وهو ظاهر.

ومما تقدم يظهر ما في كلام بعض المفسرين حيث ذكر في قوله تعالى"و استغفر الله ، إنه أمر بالاستغفار عما هم به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الدفاع والذب عن هذا الخائن المذكور في الآية ، وقد سأله قومه أن يدفع عنه ويكون خصيما له على يهودي."

وذلك أن هذا القدر أيضا تأثير منهم بأثر مذموم ، وقد نفى الله سبحانه عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كل ضرر.

قوله تعالى"و لا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم"، قيل: إن نسبة الخيانة إلى النفس لكون وبالها راجعا إليها ، أو يعد كل معصية خيانة للنفس كما عد ظلما لها ، وقد قال تعالى.

"علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم": البقرة: 187.

ويمكن أن يستفاد من الآية بمعونة ما يدل عليه القرآن من أن المؤمنين كنفس واحدة ، وأن مال الواحد منهم مال لجميعهم يجب على الجميع حفظه وصونه عن الضيعة والتلف ، كون تعدي بعضهم على بعض بسرقة ونحوها اختيانا لأنفسهم.

وفي قوله تعالى"إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما"دلالة على استمرار هؤلاء الخائنين في خيانتهم ، ويؤكده قوله"أثيما"فإن الأثيم آكد في المعنى من الإثم وهو صفة مشبهة تدل على الثبوت.

على أن قوله"يختانون أنفسهم"لا تخلو عن دلالة على الاستمرار ، وكذا قوله"للخائنين"حيث عبر بالوصف ولم يعبر بمثل قولنا: للذين خانوا ، كما عبر بذلك في قوله"فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم": الأنفال: 71.

فمن هذه القرائن وأمثالها يظهر أن معنى الآية - بالنظر إلى مورد النزول -: ولا تكن خصيما لهؤلاء ، ولا تجادل عنهم فإنهم مصرون على الخيانة مبالغون فيها ثابتون على الإثم ، والله لا يحب من كان خوانا أثيما.

وهذا يؤيد ما ورد في أسباب النزول من نزول الآيات في أبي طعمة بن الأبيرق.

كما سيجيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت