فهرس الكتاب

الصفحة 835 من 4314

و منها قول بعضهم وينسب إلى ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة ، ولعله لكون مخالفته تعالى أمرا عظيما ، وفيه أنك قد عرفت أن انقسام المعصية إلى الكبيرة والصغيرة إنما هو بقياس بعضها إلى بعض ، وهذا الذي ذكره مبني على قياس حال الإنسان في مخالفته - وهو عبد - إلى الله سبحانه - وهو رب كل شيء - ومن الممكن أن يميل إلى هذا القول بعضهم بتوهم كون الإضافة في قوله تعالى: كبائر ما تنهون عنه ، بيانية لكنه فاسد لرجوع معنى الآية حينئذ إلى قولنا: إن تجتنبوا المعاصي جميعا نكفر عنكم سيئاتكم ولا سيئة مع اجتناب المعاصي ، وإن أريد تكفير سيئات المؤمنين قبل نزول الآية اختصت الآية بأشخاص من حضر عند النزول ، وهو خلاف ظاهر الآية من العموم ، ولو عمت الآية عاد المعنى إلى أنكم إن عزمتم على اجتناب جميع المعاصي واجتنبتموها كفرنا عنكم سيئاتكم السابقة عليه ، وهذا أمر نادر شاذ المصداق أو عديمه لا يحمل عليه عموم الآية لأن نوع الإنسان لا يخلو عن السيئة واللمم إلا من عصمه الله بعصمته فافهم ذلك.

ومنها: أن الصغيرة ما نقص عقابه عن ثواب صاحبه ، والكبيرة ما يكبر عقابه عن ثوابه ، نسب إلى المعتزلة وفيه أن ذلك أمر لا يدل عليه هذه الآية ولا غيرها من آيات القرآن ، نعم من الثابت بالقرآن وجود الحبط في بعض المعاصي في الجملة لا في جميعها سواء كان على وفق ما ذكروه أو لا على وفقه ، وقد مر البحث عن معنى الحبط مستوفى في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

وقالوا أيضا: يجب تكفير السيئات والصغائر عند اجتناب الكبائر ولا تحسن المؤاخذة عليها ، وهذا أيضا أمر لا تدل الآية عليه البتة.

ومنها: أن الكبر والصغر اعتباران يعرضان لكل معصية ، فالمعصية التي يقترفها الإنسان استهانة بأمر الربوبية واستهزاء أو عدم مبالاة به كبيرة ، وهي بعينها لو اقترفت من جهة استشاطة غضب أو غلبة جبن أو ثورة شهوة كانت صغيرة مغفورة بشرط اجتناب الكبائر.

ولما كان هذه العناوين الطارية المذكورة يجمعها العناد والاعتداء على الله أمكن أن يلخص الكلام بأن كل واحدة من المعاصي المنهي عنها في الدين إن أتي بها عنادا واعتداء فهي كبيرة وإلا فهي صغيرة مغفورة بشرط اجتناب العناد والاعتداء.

قال بعضهم: إن في كل سيئة وفي كل نهي خاطب الله به كبيرة أو كبائر وصغيرة أو صغائر ، وأكبر الكبائر في كل ذنب عدم المبالاة بالنهي والأمر واحترام التكليف ، ومنه الإصرار فإن المصر على الذنب لا يكون محترما ولا مباليا بالأمر والنهي فالله تعالى يقول: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه أي الكبائر التي يتضمنها كل شيء تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم أي نكفر عنكم صغيره فلا نؤاخذكم عليه.

وفيه: أن استلزام اقتران كل معصية مقترفة بما يوجب كونها طغيانا واستعلاء على الله سبحانه صيرورتها معصية كبيرة لا يوجب كون الكبر دائرا مدار هذا الاعتبار حتى لا يكون بعض المعاصي كبيرة في نفسها مع عدم عروض شيء من هذه العناوين عليه ، فإن زنا المحارم بالنسبة إلى النظر إلى الأجنبية وقتل النفس المحرمة ظلما بالنسبة إلى الضرب كبيرتان عرض لهما عارض من العناوين أم لم يعرض ، نعم كلما عرض شيء من هذه العناوين المهلكة اشتد النهي بحسبه وكبرت المعصية وعظم الذنب فما الزنا عن هوى النفس وغلبة الشهوة والجهالة كالزنا بالاستباحة.

على أن هذا المعنى أن تجتنبوا في كل معصية كبائرها نكفر عنكم صغائرها معنى رديء لا يحتمله قوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم الآية بحسب ما لها من السياق على ما لا يخفى لكل من استأنس قليل استيناس بأساليب الكلام.

ومنها: ما يتراءى من ظاهر كلام الغزالي على ما نقل عنه من الجمع بين الأقوال وهو أن بين المعاصي بقياس بعضها إلى بعض كبيرة وصغيرة كزنا المحصنة من المحارم بالنسبة إلى النظر إلى الأجنبية وإن كانت بعض المعاصي يكبر بانطباق بعض العناوين المهلكة الموبقة عليه كالإصرار على الصغائر ، فبذلك تصير المعصية كبيرة بعد ما لم تكن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت