و محصل الكلام أن إنفاقهم في هذه الحيوة وهم يريدون به إصلاح شأنهم ونيل مقاصدهم الفاسدة لا يثمر لهم إلا الشقاء ، وفساد ما يريدونه ويحسبونه سعادة لأنفسهم كالريح التي فيها صر تهلك حرث الظالمين ، وليس ذلك إلا ظلما منهم لأنفسهم فإن العمل الفاسد لا يأتي إلا بالأثر الفاسد.
قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم الآية سميت الوليجة بطانة وهي ما يلي البدن من الثوب وهي خلاف الظهارة لكونها تطلع على باطن الإنسان وما يضمره ويستسره ، وقوله: لا يألونكم أي لا يقصرون فيكم ، وقوله: خبالا أي شرا وفسادا ، ومنه الخبل للجنون لأنه فساد العقل ، وقوله: ودوا ما عنتم ، ما مصدرية أي ودوا وأحبوا عنتكم وشدة ضرركم ، وقوله: قد بدت البغضاء من أفواههم أريد به ظهور البغضاء والعداوة من لحن قولهم وفلتات لسانهم ففيه استعارة لطيفة وكناية ، ولم يبين ما في صدورهم بل أبهم قوله: وما تخفي صدورهم أكبر للإيماء إلى أنه لا يوصف لتنوعه وعظمته وبه يتأكد قوله: أكبر.
قوله تعالى: ها أنتم أولاء تحبونهم الآية ، الظاهر أن أولاء اسم إشارة ولفظة ها للتنبيه ، وقد تخلل لفظة أنتم بين ها وأولاء ، والمعنى أنتم هؤلاء على حد قولهم: زيد هذا وهند هذه كذا وكذا.
وقوله: وتؤمنون بالكتاب كله ، اللام للجنس أي وأنتم تؤمنون بجميع الكتب السماوية النازلة من عند الله: كتابهم وكتابكم ، وهم لا يؤمنون بكتابكم ، وقوله ، وإذا لقوكم قالوا آمنا ، أي إنهم منافقون ، وقوله: وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ العض هو الأخذ بالأسنان مع ضغط ، والأنامل جمع أنملة وهي طرف الإصبع.
والغيظ هو الحنق ، وعض الأنامل على شيء مثل يضرب للتحسر والتأسف غضبا وحنقا.
وقوله: قل موتوا بغيظكم دعاء عليهم في صورة الأمر وبذلك تتصل الجملة بقوله: إن الله عليم بذات الصدور أي اللهم أمتهم بغيظهم إنك عليم بذات الصدور أي القلوب أي النفوس.
قوله تعالى: إن تمسسكم حسنة تسؤهم ، المساءة خلاف السرور ، وفي الآية دلالة على أن الأمن من كيدهم مشروط بالصبر والتقوى.