و اعلم أن هذه الموضوعات الثلاثة أعني الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذوات أبحاث تفسيرية طويلة عميقة سنتعرض لها في موضع آخر يناسبها إن شاء الله تعالى.
وكذا ما يتعلق بها من الأبحاث العلمية والنفسية والاجتماعية.
قوله تعالى: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات.
لا يبعد أن يكون قوله: من بعد ما جاءهم البينات متعلقا بقوله: واختلفوا فقط وحينئذ كان المراد بالاختلاف التفرق من حيث الاعتقاد وبالتفرق الاختلاف والتشتت من حيث الأبدان وقدم التفرق على الاختلاف لأنه كالمقدمة المؤدية إليه لأن القوم مهما كانوا مجتمعين متواصلين اتصلت عقائد بعضهم ببعض واتحدت بالتماس والتفاعل ، وحفظهم ذلك من الاختلاف فإذا تفرقوا وانقطع بعضهم عن بعض أداهم ذلك إلى اختلاف المشارب والمسالك ، ولم يلبثوا دون أن يستقل أفكارهم وآراؤهم بعضها عن بعض ، وبرز فيهم الفرقة ، وانشق عصا الوحدة فكأنه تعالى يقول: ولا تكونوا كالذين تفرقوا بالأبدان أولا ، وخرجوا من الجماعة ، وأفضاهم ذلك إلى اختلاف العقائد والآراء أخيرا.
وقد نسب تعالى هذا الاختلاف في موارد من كلامه إلى البغي.
قال تعالى:"و ما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم": البقرة - 213 ، مع أن ظهور الاختلاف في العقائد والآراء ضروري بين الأفراد لاختلاف الأفهام لكن كما أن ظهور هذا الاختلاف ضروري كذلك دفع الاجتماع لذلك ، ورده المختلفين إلى ساحة الاتحاد أيضا ضروري فرفع الاختلاف ممكن مقدور بالواسطة ، وإعراض الأمة عن ذلك بغي منهم ، وإلقاء لأنفسهم في تهلكة الاختلاف.
وقد أكد القرآن الدعوة إلى الاتحاد ، وبالغ في النهي عن الاختلاف ، وليس ذلك إلا لما كان يتفرس من أمر هذه الأمة ، أنهم سيختلفون كالذين من قبلهم بل يزيدون عليهم في ذلك ، وقد تقدم مرارا أن من دأب القرآن أنه إذا بالغ في التحذير عن شيء والنهي عن اقترافه كان ذلك آية وقوعه وارتكابه ، وهذا أمر أخبر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا كما أخبر به القرآن ، وأن الاختلاف سيدب في أمته ثم يظهر في صورة الفرق المتنوعة ، وأن أمته ستختلف كما اختلفت اليهود والنصارى من قبل وسيجيء الرواية في البحث الروائي.
وقد صدق جريان الحوادث هذه الملحمة القرآنية فلم تلبث الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن تفرقوا شذر مدر ، واختلفوا في مذاهب شتى بعضهم يكفر بعضا من لدن عصر الصحابة إلى يومنا هذا ، وكلما رام أحد أن يوفق بين مختلفين منها أولد ذلك مذهبا ثالثا.
والذي يهدينا إليه البحث بالتحليل والتجزية أن أصل هذا الاختلاف ينتهي إلى المنافقين الذين يغلظ القرآن القول فيهم وعليهم ويستعظم مكرهم وكيدهم فإنك لو تدبرت ما يذكره الله تعالى في حقهم في سور البقرة والتوبة والأحزاب والمنافقين وغيرها لرأيت عجبا ، وكان هذا حالهم في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولما ينقطع الوحي ثم لما توفاه الله غاب ذكرهم وسكنت أجراسهم دفعة.
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا.
أنيس ولم يسمر بمكة سامر.
ولم يلبث الناس دون أن وجدوا أنفسهم وقد تفرقوا أيادي سبإ ، وباعدت بينهم شتى المذاهب ، واستعبدتهم حكومات التحكم والاستبداد ، وأبدلوا سعادة الحيوة بشقاء الضلال والغي.
والله المستعان ، والمرجو من فضل الله أن يوفقنا لاستيفاء هذا البحث في تفسير سورة البراءة إن شاء الله.
قوله تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه إلى آخر الآيتين ، لما كان المقام مقام الكفر بالنعمة وهو نظير الخيانة مما يوجب خسة الانفعال والخجل ذكر سبحانه من بين أنواع عذاب الآخرة ما يناسبها بحسب التمثيل وهو سواد الوجه الذي يكنى به في الدنيا عن الانفعال والخجل ونحوهما كما يشعر أو يدل على ذلك قوله تعالى: فأما الذين اسودت وجوههم أ كفرتم بعد إيمانكم.
وكذا ذكر من ثواب الشاكرين لهذه النعمة ما يناسب الشكر وهو بياض الوجه المكنى به في الدنيا عن الارتضاء والرضا.