فهرس الكتاب

الصفحة 704 من 4314

و أعجب ما قيل في المقام ما ذكره بعضهم: أن الآية متعرضة لجواب شبهة أوردتها اليهود في النسخ ، وتقريرها: أن اليهود كأنها قالت: إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين بعده - كما تدعي - فكيف تستحل ما كان محرما عليه وعليهم كلحم الإبل؟ أما وقد استبحت ما كان محرما عليهم فلا ينبغي لك أن تدعي أنك مصدق لهم ، وموافق في الدين ، ولا أن تخص إبراهيم بالذكر فتقول: إني أولى به.

ومحصل الجواب: أن كل الطعام كان حلا لعامة الناس ومنهم بنو إسرائيل لكن بني إسرائيل حرموا أشياء على أنفسهم بما ارتكبوا من المعاصي ، والسيئات كما قال تعالى:"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم"الآية: النساء - 160 ، فالمراد بإسرائيل شعب إسرائيل كما هو مستعمل عندهم ، لا يعقوب وحده ، ومعنى تحريمهم ذلك على أنفسهم: أنهم ارتكبوا الظلم واجترحوا السيئات فكانت سببا للتحريم ، وقوله: من قبل أن تنزل التورية متعلق بقوله: حرم إسرائيل ، ولو كان المراد بقوله: إسرائيل هو يعقوب نفسه لكان قوله: من قبل أن تنزل التورية لغوا زائدا من الكلام لبداهه أن يعقوب كان قبل التوراة زمانا فلا وجه لذكره.

هذا محصل ما ذكره وذكر بعض آخر نظير ما ذكره إلا أنه قال: إن المراد من تحريم بني إسرائيل على أنفسهم تحريمهم ذلك تشريعا من عند أنفسهم من غير أن يستند إلى وحي من الله سبحانه إلى بعض أنبيائهم كما كانت عرب الجاهلية تفعل ذلك على ما قصه الله تعالى في كتابه.

وقد ارتكبا جميعا من التكلف ما لا يرتضيه ذو خبرة فأخرجا الكلام من مجراه ، وعمدة ما حملهما على ذلك حملهما قوله تعالى: من قبل أن تنزل التورية على أنه متعلق بقوله: حرم إسرائيل ، مع كونه متعلقا بقوله: كان حلا ، في صدر الكلام وقوله إلا ما حرم ، استثناء معترض.

ومن ذلك يظهر أن لا حاجة إلى أخذ إسرائيل بمعنى بني إسرائيل كما توهما مستندين إلى عدم استقامة المعنى دونه.

على أن إطلاق إسرائيل وإرادة بني إسرائيل وإن كان جائزا على حد قولهم: بكر وتغلب ونزار وعدنان يريدون بني بكر وبني تغلب وبني نزار وبني عدنان لكنه في بني إسرائيل من حيث الوقوع استعمال غير معهود عند العرب في عهد النزول ، ولا أن القرآن سلك هذا المسلك في هذه الكلمة في غير هذا المورد الذي يدعيانه مع أن بني إسرائيل مذكور فيه فيما يقرب من أربعين موضعا ، ومن جملتها نفس هذه الآية: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ، فما هو الفرق على قولهما بين الموضعين في الآية؟ حيث عبر عنهم أولا ببني إسرائيل ، ثم أردف ذلك بقوله: إسرائيل ، مع أن المقام من أوضح مقامات الالتباس ، وناهيك في ذلك أن الجم الغفير من المفسرين فهموا منه أن المراد به يعقوب لا بنوه.

ومن أحسن الشواهد على أن المراد به يعقوب قوله تعالى: على نفسه بإرجاع ضمير المفرد المذكر إلى إسرائيل ولو كان المراد به بني إسرائيل لكان من اللازم أن يقال: على نفسها أو على أنفسهم.

قوله تعالى: قل فأتوا بالتورية فاتلوها إن كنتم صادقين أي حتى يتبين أن أي الفريقين على الحق ، أنا أم أنتم ، وهذا إلقاء جواب منه تعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قوله تعالى: فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ، ظاهره أنه كلام لله سبحانه يخاطب به نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلى هذا ففيه تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن أعداءه من اليهود هم الظالمون بعد هذا البيان لافترائهم الكذب على الله ، وتعريض لليهود ، والكلام يجري مجرى الكناية.

وأما احتمال كون الكلام من تتمة كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يلائمه ظاهر إفراد خطاب الإشارة في قوله: من بعد ذلك ، وعلى هذا أيضا يجري الكلام مجرى الكناية والستر على الخصم المغلوب ليقع الكلام موقعه من القبول كما في قوله تعالى:"إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين": سبأ - 24 ، والمشار إليه بذلك هو البيان والحجة.

وإنما قال: من بعد ذلك مع أن المفتري ظالم على أي حال لأن الظلم لا يتحقق قبل التبين كما قيل ، والقصر في قوله: فأولئك هم الظالمون قصر قلب على أي حال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت