فهرس الكتاب

الصفحة 614 من 4314

و إن شئت تصديق ما ذكرناه فتدبر فيما ذكر الله تعالى من قصتهما في سورة مريم فقال في يحيى:"يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا إلى أن قال: يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكوة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا": مريم - 15 ، وقال في عيسى (عليه السلام) :"فأرسلنا إليها روحنا إلى أن قال: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا - إلى أن قال -: قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا - إلى أن قال -: فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلوة والزكوة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا": مريم - 33 ، ويقرب منها من حيث الدلالة على تقارب أمرهما آيات هذه السورة التي نحن فيها عند التطبيق.

وبالجملة فقد سماه الله سبحانه يحيى وسمى ابن مريم عيسى وهو بمعنى"يعيش"على ما قيل وجعله مصدقا بكلمة منه وهو عيسى كما قال تعالى:"بكلمة منه اسمه المسيح عيسى"وآتاه الحكم وعلمه الكتاب صبيا كما فعل بعيسى ، وعده حنانا من لدنه وزكاة وبرا بوالديه غير جبار كما كان عيسى كذلك ، وسلم عليه في المواطن الثلاث كعيسى وعده سيدا كما جعل عيسى وجيها عنده ، وجعله حصورا ونبيا ومن الصالحين مثل عيسى ، كل ذلك استجابة لمسألة زكريا ودعوته حيث سأل ذرية طيبة ووليا رضيا عند ما امتلأ قلبه بما شاهد من أمر مريم وعجيب شأنها وكرامتها على الله كما مر بيانه.

وفي قوله: مصدقا بكلمة من الله دلالة على كونه من دعاة عيسى فالكلمة هو عيسى المسيح كما ذكره تعالى في ذيل هذه الآيات في بشارة الروح لمريم.

والسيد هو الذي يتولى أمر سواد الناس وجماعتهم في أمر حيوتهم ومعاشهم أو فضيلة من الفضائل المحمودة عندهم ثم غلب استعماله في شريف القوم لما أن التولي المذكور يستلزم شرفا بالحكم أو المال أو فضيلة أخرى.

والحصور هو الذي لا يأتي النساء والمراد بذلك في الآية بقرينة السياق الممتنع عن ذلك للإعراض عن مشتهيات النفس زهدا.

قوله تعالى: قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر استفهام تعجيب واستعلام لحقيقة الحال لا استبعاد واستعظام مع تصريح البشارة بذلك وأن الله سبحانه سيرزقه ما سأله من الولد مع أنه ذكر هذين الوصفين اللذين جعلهما منشأ للتعجب والاستعلام في ضمن مسألته على ما في سورة مريم حيث قال:"رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا": مريم - 5.

لكن المقام يمثل معنى آخر فكأنه (عليه السلام) لما انقلب حالا من مشاهدة أمر مريم وتذكر انقطاع عقبه لم يشعر إلا وقد سأل ربه ما سأل وقد ذكر في دعائه ما له سهم وافر في تأثره وتحزنه وهو بلوغ الكبر ، وكون امرأته عاقرا ، فلما استجيبت دعوته وبشر بالولد كأنه صحا وأفاق مما كان عليه من الحال ، وأخذ يتعجب من ذلك وهو بالغ الكبر وامرأته عاقر ، فصار ما كان يثير على وجهه غبار اليأس وسيماء الحزن يغيره إلى نظرة التعجب المشوب بالسرور.

على أن ذكر نواقص الأمر بعد البشارة بقضاء أصل الحاجة واستعلام كيفية رفع واحد واحد منها إنما هو طلب تفهم خصوصيات الإفاضة والإنعام التذاذا بالنعمة الفائضة بعد النعمة نظير ما وقع في بشرى إبراهيم بالذرية قال تعالى: ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أ بشرتمون على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون": الحجر - 56 ، فذكر في جواب نهي الملائكة إياه عن القنوط أن استفهامه لم يكن عن قنوط كيف وهو غير ضال والقنوط ضلالة ، بل السيد إذا أقبل على عبده إقبالا يؤذن بالقرب والأنس والكرامة أوجب ذلك انبساطا من العبد وابتهاجا يستدعي تلذذه من كل حديث وتمتعه في كل باب."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت