فهرس الكتاب

الصفحة 593 من 4314

و من هنا يظهر أن الرزق والخير والخلق بحسب المصداق على ما يبينه القرآن أمور متساوية فكل رزق خير ومخلوق ، وكل خلق رزق وخير ، وإنما الفرق: أن الرزق يحتاج إلى فرض مرزوق يرتزق به فالغذاء رزق للقوة الغاذية لاحتياجها إليه ، والغاذية رزق للواحد من الإنسان لاحتياجه إليها ، والواحد من الإنسان رزق لوالديه لانتفاعهما به ، وكذا وجود الإنسان خير للإنسان بفرضه عاريا عن هذه النعمة الإلهية ، قال تعالى:"الذي أعطى كل شيء خلقه:"طه - 50.

والخير يحتاج إلى فرض محتاج طالب يختار من بين ما يواجهه ما هو مطلوبه فالغذاء خير للقوة الغاذية بفرضها محتاجة إليه طالبة له تنتخبه وتختاره إذا أصابته ، والقوة الغاذية خير للإنسان ، ووجود الإنسان خير له بفرضه محتاجا طالبا.

وأما الخلق والإيجاد فلا يحتاج من حيث تحقق معناه إلى شيء ثابت أو مفروض فالغذاء مثلا مخلوق موجد في نفسه ، وكذا القوة الغاذية مخلوقة ، والإنسان مخلوق.

ولما كان كل رزق لله ، وكل خير لله محضا فما يعطيه تعالى من عطية ، وما أفاضه من خير وما يرزقه من رزق فهو واقع من غير عوض ، وبلا شيء مأخوذ في مقابله إذ كل ما فرضنا من شيء فهو له تعالى حقا ، ولا استحقاق هناك إذ لا حق لأحد عليه تعالى إلا ما جعل هو على نفسه من الحق كما جعله في مورد الرزق ، قال تعالى:"و ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها": هود - 6 ، وقال:"فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون": الذاريات - 23.

فالرزق مع كونه حقا على الله لكونه حقا مجعولا من قبله عطية منه من غير استحقاق للمرزوق من جهة نفسه بل من جهة ما جعله على نفسه من الحق.

ومن هنا يظهر أن للإنسان المرتزق بالمحرمات رزقا مقدرا من الحلال بنظر التشريع فإن ساحته تعالى منزهة من أن يجعل رزق إنسان حقا ثابتا على نفسه ثم يرزقه من وجه الحرام ثم ينهاه عن التصرف فيه ويعاقبه عليه.

وتوضيحه ببيان آخر أن الرزق لما كان هو العطية الإلهية بالخير كان هو الرحمة التي له على خلقه ، وكما أن الرحمة رحمتان: رحمة عامة تشمل جميع الخلق من مؤمن وكافر ، ومتق وفاجر ، وإنسان وغير إنسان ، ورحمة خاصة وهي الرحمة الواقعة في طريق السعادة كالإيمان والتقوى والجنة ، كذلك الرزق منه ما هو رزق عام ، وهو العطية الإلهية العامة الممدة لكل موجود في بقاء وجوده ، ومنه ما هو رزق خاص ، وهو الواقع في مجرى الحل.

وكما أن الرحمة العامة والرزق العام مكتوبان مقدران ، قال تعالى وخلق كل شيء فقدره تقديرا": الفرقان - 2 ، كذلك الرحمة الخاصة والرزق الخاص مكتوبان مقدران ، وكما أن الهدى - وهو رحمة خاصة - مكتوب مقدر تقديرا تشريعيا لكل إنسان مؤمنا كان أو كافرا ، ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ، قال تعالى:"و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين": الذاريات - 58 ، وقال تعالى:"و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه": الإسراء - 23 ، فالعبادة وهي تستلزم الهدى وتتوقف عليه مقضية مقدرة تشريعا ، كذلك الرزق الخاص - وهو الذي عن مجرى الحل - مقضي مقدر ، قال تعالى:"قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين": الأنعام - 140 ، وقال تعالى"و الله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء": النحل - 71 ، والآيتان كما ترى ذواتا إطلاق قطعي يشمل الكافر والمؤمن ومن يرتزق بالحلال ومن يرتزق بالحرام."

ومن الواجب أن يعلم: أن الرزق كما مر من معناه هو الذي ينتفع به من العطية على قدر ما ينتفع فمن أوتي الكثير من المال وهو لا يأكل إلا القليل منه فإنما رزقه هو الذي أكله والزائد الباقي ليس من الرزق إلا من جهة الإيتاء دون الأكل فسعة الرزق وضيقه غير كثرة المال مثلا وقلته ، وللكلام في الرزق تتمة ستمر بك في قوله تعالى:"و ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين": هود - 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت