فهرس الكتاب

الصفحة 561 من 4314

و في نهج البلاغة ، والإحتجاج ، قال (عليه السلام) : ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثم تجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا وإلههم واحد ، ونبيهم واحد ، وكتابهم واحد فأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل الله دينا تاما فقصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن تبليغه وأدائه؟ والله سبحانه يقول: ما فرطنا في الكتاب من شيء وفيه تبيان كل شيء ، وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا ، وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه: ولو كان من عند غير الله - لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، وأن القرآن ظاهره أنيق ، وباطنه عميق لا تحصى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ، ولا تكشف الظلمات إلا به.

أقول: والرواية كما ترى ناصة على أن كل نظر ديني يجب أن ينتهي إلى القرآن ، وقوله: فيه تبيان ، نقل للآية بالمعنى.

وفي الدر المنثور ، وأخرج ابن سعد وابن الضريس في فضائله وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب فقال: بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم ، وضرب الكتاب بعضه ببعض. قال: وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا ولكن نزل يصدق بعضه بعضا ، فما عرفتم فاعملوا به ، وما تشابه عليكم فآمنوا به.

وفيه ، أيضا وأخرج أحمد من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوما يتدارءون فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوا ، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه.

أقول: والروايات كما ترى يعد ضرب القرآن بعضه ببعض مقابلا لتصديق بعض القرآن بعضا ، وهو الخلط بين الآيات من حيث مقامات معانيها ، والإخلال بترتيب مقاصدها كأخذ المحكم متشابها والمتشابه محكما ونحو ذلك.

فالتكلم في القرآن بالرأي ، والقول في القرآن بغير علم كما هو موضوع الروايات المنقولة سابقا ، وضرب القرآن بعضه ببعضه كما هو مضمون الروايات المنقولة آنفا يحوم الجميع حول معنى واحد وهو الاستمداد في تفسير القرآن بغيره.

فإن قلت: لا ريب أن القرآن إنما نزل ليعقله الناس ويفهموه كما قال تعالى:"إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس": الزمر - 41 ، وقال تعالى:"هذا بيان للناس ،: آل عمران - 138 ، إلى غير ذلك من الآيات ، ولا ريب أن مبينه هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كما قال تعالى"و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم": النحل - 44 ، وقد بينه للصحابة ، ثم أخذ عنهم التابعون فما نقلوه عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلينا فهو بيان نبوي لا يجوز التجافي والإغماض عنه بنص القرآن ، وما تكلموا فيه من غير إسناده إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو وإن لم يجر مجرى النبويات في حجيتها لكن القلب إليه أسكن فإن ما ذكروه في تفسير الآيات إما مسموع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو شيء هداهم إليه الذوق المكتسب من بيانه وتعليمه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكذا ما ذكره تلامذتهم من التابعين ومن يتلوهم ، وكيف يخفى عليهم معاني القرآن مع تعرقهم في العربية ، وسعيهم في تلقيها من مصدر الرسالة ، واجتهادهم البالغ في فقه الدين على ما يقصه التاريخ من مساعي رجال الدين في صدر الإسلام."

ومن هنا يظهر: أن العدول عن طريقتهم وسنتهم ، والخروج من جماعتهم ، وتفسير آية من الآيات بما لا يوجد بين أقوالهم وآرائهم بدعة ، والسكوت عما سكتوا عنه واجب.

وفي ما نقل عنهم كفاية لمن أراد فهم كتاب الله تعالى ، فإنه يبلغ زهاء ألوف من الروايات ، وقد ذكر السيوطي أنه أنهاه إلى سبعة عشر ألف رواية عن النبي وعن الصحابة والتابعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت